إننا نغرق في “جوجل”


احتكار:

جوجل تحتكر كل شيء في وجداننا، فنحن نسأل جوجل عن كل صغيرة وكبيرة، عن صحة حديث، وتفسير آية، وآخر أغنية، وأحدث موضة، وأجمل لقطة إباحية، ونستفتيه في آخر الأخبار، ونحن نتعلم عبره، ونلتقي  بأصدقائنا من خلاله، ونثقف أنفسنا من خلاله،  ونبيع ونشتري، وقد نتزوج أيضا!!

إنه بحر من المعلومات والناس والخدمات والفرص والمخاطر، بحر مترامي الأطراف، والمعلومات والأحياء والأشياء تبهر، وتجعل المرء يحسب أنه قد يحوز هنالك، في العالم الافتراضي، ما لا يلقى في أي مكان آخر.

تهور وشتات:

بفضل الاحتكار.. تجمع الأشياء التقليدية متاعها لتغادر دائرة اهتمامنا، فنحتاج إلى علم نفس جديد، يبين لنا ما هي آثار هذه الثورة الجديدة التي اقتحمت حياتنا؟!

ومن هنا.. يأتي دور التهور والمغامرة غير المحسوبة!

ها نحن، ولأول مرة، نتخلى عن كل ما ألفناه دون الخوف من التغيير ولا الرعب من المجهول، ودون دراسات مسبقة، إننا نشعر أنا مضطرون اضطرارا للعيش في جوجل! العالم كله يعيش هناك، الأصدقاء والزملاء نلتقي بهم هناك أكثر مما نلتقي بهم على أرض الواقع، الكائن الاجتماعي في دواخلنا قد يتغول جدا، ونقابل في اليوم عبر الإنترنت من البشر ما لا يقابله أمير المؤمنين في شهر!

إننا نخوض سباقات كثيرة جدا داخل هذا البحر الخضم، ونواجه دوامات تسحبنا نحوها، لأن الناس يفعلون ذلك، ولأنه متاح أمامنا، وأحسب أن كل واحد منا سيجد في حاسوبه برامج ذات صلة بالإنترنت، لا يحتاج إليها في الحقيقة، مع أنها تستهلك الكثير والكثير من الوقت!

الكثير من الماء يُغرِق:

ومن هنا.. من هذا الشعور الوهمي بالاستغناء عن كل شيء.. تنشأ ظواهر عديدة، منها:

1. العزوف عن التواصل الاجتماعي الحميمي مع الناس، فبفضل مواقع التواصل الاجتماعي؛ يبرد الشوق للقاء، لأن المواقع الاجتماعية جعلت البعيد قريباً، وجعلتنا نعيش في ترف اجتماعي منقوص، له مناقبه، وله كذلك مثالبه! صحيح أنه يجعل الأصدقاء في متناول أيدينا، وصحيح أنه يتيح لنا التواصل مع الكثير من الناس، ولكن: من قال إن هذا كله صحيح دائما، ونافع دائما؟! وكيف تنبني شخصية الإنسان بناء سليماً وهو يرى كل ما يشتهيه وأكثر  متاحا بين يديه!

ومن جهة أخرى: جعلت هذه الوفرة الاجتماعية بيننا وبين الأقربين منا حجابا من شاشات وأسلاك، فحرمتنا من إشعاعات القلوب المتقاربة، وانتقال المشاعر الدافقة عبر المجالسة والمصافحة، والمصارحة والمكاشفة.

2. جعلتنا جوجل نفقد التركيز والهدوء، وقد قرأت هذا في مقالة للكاتب: إبراهيم محمد، الذي قال عن جوجل: “فهو يقوم بالتأثير بشكل كبير على قدرتنا على التركيز والتأمل، لأن عقولنا أصبحت تنتظر الحصول على المعلومة بنفس الطريقة التي تحصل عليها عبر جوجل.. معلومات سريعة ومختصرة، وكلما قضيت وقتا أطول على الإنترنت، أصبحت قدرتك على التركيز والتأمل أقل، فأصبح من الصعوبة الشديدة قراءة مقالة طويلة دون القفز بين فقراتها وبين عناوينها الرئيسية كما نفعل مع صفحات الإنترنت.

3. ومن نفس ظاهرة الاحتكار؛ يبدأ دور الكتاب بالتواري، فلا يكاد الواحد منا يجد الوقت لقراءة كتاب، ولا يجد الرغبة في العمل على بناء الذات ثقافيا بناء هادئا نقيا طويل الأمد!

4. هذه الكثرة والوفرة، تعني ولا بد: السطحية، وتعني البطر، وتعني الخفة والعجلة، كما يفعل الشخص حين يخلى بينه وبين خروف كامل مشوي لا يستطيع أن يأكله كله، ولا أن يستقر على مائدته لأن هناك موائد  أخرى عديدة في الانتظار.

تسهيل الوصول للمعلومات:

يعني تسهيل الوصول للمعلومات أنك لن تبذل في سبيل الوصول إليها مزيداً من الجهد.

السؤال هو: هل ذلك الجهد الذي كنت ستبذله “بلا جوجل” يعد خسارة؟ أو لأقل بأسلوب آخر: هل الوقت الذي يقضيه المرء في البحث عن معلومة ما عبر الوقوف في المكتبة لربع ساعة أو نصف ساعة، يذهب هباء منثورا دون فائدة يستفيدها الإنسان؟ أو لأعبر عن السؤال بطريقة أخرى: هل يخسر المرء بوصوله السريع للمعلومة التي يريدها شيئا في مقابل كسبه للوقت؟

والجواب: نعم! إن المرء ليخسر الكثير والكثير، ودونك الدليل.

  1. يخسر المرء شيئاً فشيئا طول النفَس، ويشعر بالاستغناء عن صفة المثابرة والدأب، فالقليل من الجهد يجلب الكثير من النتائج على محركات البحث فقط، أما في الحياة الحقيقية فالأمر مختلف تماماً.
  2. يتهمش دور الذاكرة، فتنشأ أجيال هشة المعلومات، كل ما في أدمغتها اقتباسات ظنية! إننا اليوم ننقل ذاكرتنا من أدمغتنا إلى محركات البحث!!
  3. تتوارى القراءة الجادة المنظمة، وتصبح عملة نادرة، حيث يعتمد الناس على الوجبات الثقافية السريعة عبر الإنترنت، وهناك الكثير من رواد الإنترنت، يمتلكون معلومات كثيرة، ويعانون في نفس الوقت من أنيميا علمية، كمدمن الوجبات السريعة، الذي يخسر الرشاقة ويربح فقر الدم! ومن المعلوم أن الوجبات السريعة تنفخ الجسم (تؤدي إلى السمنة وهي دهون متراكمة تثقل الحركة وتمرض الجسم)، وتضر بالصحة، ويشبع المرء، وربما أصيب بالتخمة، وجسمه لم ينل كفايته من المواد والفيتامينات!
  4. بالوصول السريع للمعلومات: يخسر المرء الفوائد والمعلومات التي تثري عقله أثناء بحثه عن معلومة ما عبر الكتاب الورقي، أو عبر المكتبة. إنه ليقف في المكتبة فيأخذ الكتاب الأول، ويفتش في فهرسه، فيلتقط عقله عشرات المواضيع، ويفتح  صفحة من الكتاب فيقرأ منها ما شاء الله له، ويخرج بعد عملية البحث بفوائد ومعلومات أضافها إلى عقله، سواء عثر على ما يريد  أو لا. وجدوى هذه المعلومات قد لا تبدو على المدى القصير، لكنها في الحقيقة تصنع مثقفا موسوعيا، وتنتج قارئاً نهماً، يستطيع استخراج المعلومة الثمينة من غير مظانها.
  5. العثور على المعلومة بسرعة يجعلها تفقد ثمنها لأنها مما يمكن الوصول إليه بلا جهد تقريبا، وهذا يضعف حرص الذاكرة على الاحتفاظ بها، لأنها ليست بالشيء الذي يحرص عليه! أما المعلومة التي يصل إليها الإنسان بعد بحث طويل  مجهد، فإنه يفرح بالوصول إليها أولاً، ولا يفرط فيها ثانياً لأنه بذل في سبيل الوصول إليها شيئا من دمه وجهده. إن المعلومة حين نصل إليها من خلال جوجل مثل مال الوارث، يبدده لأنه لم يشق في جمعه، ولكنها حين نصل إليها من طريق البحث الحقيقي تصبح كمال التاجر العصامي الذي بنى نفسه من لا شيء! إنه وصل إلى أعلى السلم مبتدئاً من أسفله، والباحث الجوجلي يصل إلى السلم بالباراشوت، ولذا لا يكون أمامه غير النزول!

ماذا نفعل؟

  1. حين نعيش بلا هدف،سنتحول إلى جزء من أهداف الآخرين. وللأسف الشديد؛ فإن هذا ينطبق علينا حتى في العالم الافتراضي، أعتقد أن من أهم ما يساعدنا على أن نحفظ أرواحنا وعقولنا وأوقاتنا، ألا نستدعي شبكة الإنترنت إلا لأهداف محددة، بأن نعرف متى نبدأ، ومتى ننتهي، وما المواقع التي نزورها، بهذا فقط يصبح الإنترنت آلة في أيدينا، ولا نتحول نحن إلى دمى ملقاة بين يديه!
  2. تقوية المناعة الداخلية ضد المثيرات والمرغبات، فذلك هو الحل الأمثل لمواجهة الفضاء الممتد  جدا، والمنفتح جدا، الذي أضافه الانفتاح إلى حياتنا. سواء في هذا: تهذيب الفضول الذي يدفع بنا في متوالية من الصفحات وانسياق وراء الروابط المغرية بالدخول والاستطراد في التصفح. وتهذيب النفس من الانسياق المرذول وراء الغريزة.
  3. التحصين من وباء الاستهلاك، بمحاولة اكتساب “عمى الإعلانات” التي لا تكاد صفحة من الصفحات تخلو منها، إننا حين نبيع عقولنا للإعلانات التي تملأ الإنترنت، سنخلق في أنفسنا رغبات غير ضرورية، وحاجات وهمية كنا في غنى عنها.
  4. تقوية الإرادة الصلبة: بمقاومة إغراء الدخول على الإنترنت بلا هدف، والاستمرار في قراءة المحتويات المفيدة حتى آخر سطر.
  5. الحرص على الإنجاز الهادئ، والعمل النافع، والبعد عن البهرجة وحمى التوثيق الإعلامي لكل إنجازاتنا ومناشطنا الشخصية، كما نشاهد في “الفيس بوك” على سبيل المثال.
  6. تربية النفس على التوازن الاجتماعي والعاطفي، فهي بحاجة ماسة إليه مع وفرة العلاقات الاجتماعية المتاحة.

هذه خواطر وسوانح.. لعلها تفيد!

4 من التعليقات لـ “إننا نغرق في “جوجل””

  1. المواسي قال:

    جزاك الله خيرا على موضوعك ووقد وقع على الجرح
    لكن أود أن أضيف معلومة صغيرة قد تكون تضمنها موضوعك الجامع في هذا المجال وهي أن البحث عن طريق أداة البحث قوقل قد يفيد في التأكد من معلومة ما أو في نسبة المعلومة إلى قائلها الحقيقي إن غاب عن ذهننا أو الاستزادة في موضوع معلوم الأصل وبعض التفاصيل أو نحو ذلك أما ابتداء أخذ المعلومات منه فذلك الذي ينطبق عليه حرفا مقالك هذا
    ودمت

  2. محمد بن قاسم قال:

    جزاك الله خير ..

    ولكن .. هو شر .. لا بد منه .. !!

  3. سفانة قال:

    تعرف حتى المسابقات الثقافية التي تعتمد على البحث في الكتب أصبحت بدون طعم

إكتب تعليقك









الوسوم


حرف عطف مدعوم بواسطة ووردبريس القالب بواسطة solucija تنفيذ ستوديو - ستايل.