يسحرني الهدوء


الهدوء.. يا له من وصفٍ ساحرٍ جدا لي، إنه يعني في نظري الثقة والحكمة، والرسو والصمود، والقوة والامتلاء.
صفة الهدوء تسحرني جداً.. في الماضي والحاضر، في قراءة سير القدماء، وفي معاشرة المعاصرين. ورد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان طويل الصمت، دائم الفكرة، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء.
يسحرني موقف موسى عليه السلام، حين حصره البحر من أمامه، والجيش الفرعوني من خلفه، وقال له قومه في رعب (إنا لمدركون) فقال: (كلا إن معي ربي،سيهدين)..
يتخيل لي موسى عليه السلام، هادئاً، منبسط الأسارير،  لا تبدو على وجهه ذرة خوف!
شيء ساحر حقاً..
ويسحرني موقف الصديق رضي الله عنه حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أتخيل الصديق يمشي بكل هدوء، بين جموع الصحابة الذاهلين، ويرقى المنبر والفاروق عليه يهذي من هول الفاجعة، فيقول الصديق في هدوء مهيب: “من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”
ويسحرني موقف عثمان رضي الله عنه، حين اقتحم عليه القتلة داره، فأخذ مصحفه، وافتتحه يقرأ فيه، دون أن يرتعد أو تطرف عيناه..
ويسحرني موقف السلطان عبدالحميد  الثاني، حين بلّغه وفد مجلس المبعوثان بقرار خلعه عن الخلافة، فقال في هدوء: (ذلك تقدير العزيز العليم).
سحرت كثيراً وأنا أقرأ في سيرة السلطان عبدالحميد الثاني رحمه الله، أنه كان هادئاً وقوراً، قليل الكلام، كثير الصمت، خفيت الصوت!
ولا تزال سمة الهدوء سمة تجذبني في الناس، ولا يزال الهادئون يحتلون من قلبي مكاناً علياً.
الشيخ العلامة: حمزة الفعر، والمفكر الأديب: عبدالكريم بكار، والشيخ السلفي/الإخواني: حازم أبو إسماعيل، والعالِم العميق: خالد السبت، والأستاذ الفاضل: حسن الفيلالي، وغيرهم.. يحتلون في القلب مكاناً مكيناً، ضاعفه الهدوء الذين يشتركون فيه، الهدوء الفطري، الذي يجعل المرء يبدو أكثر علماً، وأكثر حنكة ورسوخاً.
ولي أصدقاء يسحرني فيهم الهدوء:  كإسماعيل الميمني “عهدته هادئاً ولا أدري ما فعلت به الأيام”، وصهيب عسيلان، وعبدالرحمن عرفة “هادئ رغم أنه يبدو شريراً أحيانا”، وعبدالله الحمدان، و الثلاثي الحضرمي: عبدالعزيز باشراحيل، وعمر باخشب، ومحمد باحمدين، وأحمد جمبي، ذو الهدوء المثير والابتسامة الغامضة..
والقائمة تطول..
لا أدري على وجه التحديد ما سر إعجابي بالهدوء؟! يقولون إن الإنسان يحب الصفات التي يقدرها ولا يمتلكها، ولكني أمتلك قدراً جيداً من الهدوء بفضل الله، صحيح أنه هدوء خارجي فقط، أما من الداخل فثمة عواصف دائمة، وأعاصير لا تتوقف، وصخب يصم الأذن!
في هدوء الليل.. يطيب لي أن أجلس لأقرأ، وأكتب، كما أنا الآن.. لا صوت غير صوت جهاز التكييف، لا أحد هنا.. هدوء تام.
الهدوء مهد القوة كما يقول جي هولاند، وكسرة من الخبز تأكلها في هدوء خير من وليمة تحضرها وأنت قلق، كما يقول أيسوب.
أما الطريق إلى الهدوء.. فهو طريق طويل، يبدأ من الذهن، وينتهي بالجوارح!
الطريق للهدوء: بساطة ووضوح:
الهدوء الحقيقي هو الذي يغمر الظاهر نتيجة لاستقرار الأعماق. ولذا تستطيع بسهولة أن تلاحظ الشخص القلق، والمتوتر، والخائف، والمستعجل، والأحمق! من حركاتهم والتفاتاتهم ونظرات عيونهم.
العقل المنظم، هو الهادئ حقاً، العقل الذي لا ينتظر المفاجآت، ولا يتلهف كثيراًعلى ما فات، ولا يخاف كثيراً من المجهول.. هو العقل الهادئ حقاً، ولذا قالوا: إن طمأنينة الذهن لا تتم إلا مع التسليم  بأسوأ الاحتمالات!
قبل فترة، كنت أقود سيارتي إلى مكان بعيد، وكان ذلك للمرة الأولى، كنتُ قلقاً، ومع القلق.. شعرت بطول الطريق، وأحسست بكثير من التوتر، خوف أن أضل الطريق، أو يفوتني المخرج..
في المرة التالية، لم أشعر بتوتر، وكنت أقود السيارة بطمأنينة وهدوء، ذلك لأني أعرف الهدف، وأعرف كيف أصل إليه!
هل وصلت الرسالة؟
إن الشخص الذي يعرف لماذا يعيش، ويعرف أهدافه الكبرى، ويعرف كيف يصل إليها، سيكون منظم العقل، وسيكون بالضرورة على قدر كبير من الهدوء!
الإنجاز والعمل:
الهدوء نتيجة أكيدة للثقة بالذات، والثقة بالذات نتيجة حتمية للقوة، والقوة التي تؤدي إلى الثقة: هي القوة التي تستغل في الإنجاز المستمر، والعمل الدائم.
إن طمأنينة العقل من قلق الفراغ والشعور بالتفاهة لا تتم إلا مع مباشرة العمل، فالعمل هو العلاج الأفضل للوساوس والخواطر الغبية، وفي الحركة بركة! ولذا قال شوبنهاور: إن من الصعب أن يبقى المرء هادئاً إن لم يكن لديه ما يفعله! وقال الأقدمون: عقل الكسلان بيت الشيطان!
إعدام المثيرات:
ماء موضوع في وعاء، حين يهتز الوعاء يضطرب الماء في داخله. هذا هو الهدوء باختصار، وأعداء الهدوء: كل ما يثير ويحرّك القلب إثارة خارج النطاق الأدنى.
أن تشاهد مباراة كروية دون أن يخفق قلبك في عنف، هذا تمرين جيد على الهدوء.
أن تواجه الاستفزازات دون أن يطرف جفنك أو تنتفج أوداجك.هذا تمرين آخر.
أن تتلقى الأخبار السيئة بشيء أشبه باللامبالاة! هذا تمرين آخر على الهدوء.
ألا تفرح كثيرا بما أوتيت، ولا تأسى كثيرا على ما فات، هذا تمرين رابع.
لا تلق دهرك إلا غير مكترث
ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يديم سرور  ما سررت به
ولا يرد عليك الفائت الحزن
وأصدق من ذا.. قوله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور)
الشجاعة والثقة:

الشجاعة التي أعنيها لا تعني التخليعن الخوف، فالخوف شعور طبيعي لا تعد السلامة منه منقبة ولا محمدة، ولكن الشجاعة التي أقصد، هي قتل الخوف من أشياء بعينها، هي التي تدفع للتوتر، وتذبح الهدوء على عتبته:
وأول ألوان الخوف وأخطرها: الخوف من الخطأ!
إن الذي لا يخطئ أبداً هو الذي لا يعمل أبداً، وعلى المرء لكي ينجز، أن يتقبل فكرة الخطأ، وألا يخاف من الهفوات والزلات، فهو بشر، لا بد له من الخطأ مهما كان الأمر!
وللكاتب النيوزلندي “مكينتر” مقولة رائعة مفادها أن الثقة بالنفس لا تأتي من كون الإنسان على صواب دائما، بل من عدم خوفه من الخطأ.
هذه معالم في الطريق إلى الهدوء. هذا القانون الرائع من قوانين الجودة الشخصية.

7 من التعليقات لـ “يسحرني الهدوء”

  1. المقداد الطرهوني قال:

    إيه يا ابن عمر والله لقد سحرتني تلك الكلمات الرائعة .. مقال هادئ في غاية الإبداع .. لن تستطع كلماتي أن تترجم مكنووون مافي قلبي وماخلفه هذا المقال من صخب روحي داخلي وهدوووء وسكون جوارحي خارجي .. بورك قلمك الراقي المتميز .. إلى الأمام دوما فخير الناس أنفعهم للناس .. تحياتي أنا في هدوووء تااام تصبحون هلى خير

  2. أعجبني كثيرا قال:

    الله يبارك فيك ويرضى عليك ويوفقك ويسعدك دنيا وآخرة يابن عمر فقد أبدعت وأجدت سلمت أناملك بالفعل الهدوء له سحره الخاص ^_^

  3. علي بن محمد قال:

    جزاك الله خيرا . .. أبا عمر …
    مقال هاديء

    مع هدوء هذا المسااااء

    دمت مبدعا

    :)

  4. wael ibrahim قال:

    جزاك الله خيرا . .. أبا عمر …
    بارك الل فيك ويرضى عليك ويوفقك ويسعدك دنيا وآخرة
    سلمت أناملك

  5. حياكم الله وجزاكم خيرا. مرور أشرف به.

  6. iNOoOoNi قال:

    يعجبني الهدوء كثيراً..
    وكثيرون أيضاً يصفونني بالهدوء، لكني أحس عكس ذلك..!
    ربما لأنني لست هادئة من الداخل كما قلت..؟!

    مقالة أعجبتني كثيراً لدرجة انني عندما قرأت عنوانها قررت أن أتركها لحين أن أحصل على هدوء تام لأستمتع بقراءتها :)
    وفقك الله ودمت في خير ..

  7. الدوقة.. قال:

    رااااائع..هاديء وله سحر عجيب..كل ماتكتبه جميل وفريد من نوعه..
    سلمت أناملك على هذه السطور الرائعة..
    يعجبني الهدوء والهادئين إلا أني لستُ كذلك..
    ويعجبني الدكنور:محمد راتب النابلسي بهدوءه ووقاره..

إكتب تعليقك









الوسوم


حرف عطف مدعوم بواسطة ووردبريس القالب بواسطة solucija تنفيذ ستوديو - ستايل.