منذ الصباح الباكر يبدأ برنامجه اليومي، يستيقظ عجلا، يصلي بدون نفس، يغتسل ويجهز أوراقه ومذكراته، يحشو المستندات في حقيبتين، والملابس التي سيلبسها، والأدوات المطلوب إحضارها، والحاسوب المحمول، وأشياء أخرى.. كل ذلك في أكياس تقل أو تكثر، ثم يعدو إل
ى السيارة عدو الوحوش، يدخل إلى القاعة عجلا، وهو يكاد يغص من الإفطار الذي حشاه في فمه حشواً عنيفاً لضيق الوقت..
لديه بعد المحاضرات مواعيد أخرى، الغداء -كالعادة- وجبة سريعة يلتهمها في السيارة، الجدول مضغوط وممتلئ، الوقت لا يسمح لموعد جديد، ولا لساعة استرخاء، موعدٌ تلو موعد، اجتماع هنا، وواجب هناك، وبحث هنا، ومكالمة هاتفية من هناك، لا بد له أن يستعمل كل شيء لينجز أكثر، مع كل وسائل التقليص والتوفير والتفويض.. لا يزال العبء كبيرا..
بعد أن تنام المدينة كلها.. عدا إشارات المرور ورجال الأمن.. لا يزال أخونا مستيقظا!!
في الثانية صباحاً يختطفه النوم اختطافا، في غرفته، أو في السيارة، إذ لا طاقة له على الصعود إلى الأعلى!!
ألف التعب والعناء، واعتادت أعصابه أن تبقى مشدودة حتى إنه ليكاد أن يصاب بانهيار عصبي حين يهدئ أعصابه!!
شغل متواصل، “كرف” لا ينتهي.. هو “آلة” في ثوب آدمي، مهمته أن يعمل وينجز، فقط.
هذه صورة لآلة/ إنسان.
وثمة صورة أخرى.. صورة شاب آخر، مستغرق في النشاط الجامعي إلى النخاع، وجوده داخل أسوار الجامعة مؤكد، أكثر من وجود حارس أمن البوابة، وأكثر من وجود عمال البوفيه والنظافة. صحته، لياقته، إيمانه، أهله، معدله التراكمي… كل أولئك كان محله في الحاشية، وليس في المتن إلا كلمة واحدة.. النادي، والنادي فحسب.
وهاكم صورة ثالثة.. طالب علم شرعي، وقته كله مغمور بالعلم، يفطر على حديث، ويتغدى بشرح، ويتعشى بمنظومة، ويتسلى بين الوجبات بوجبات خفيفة، كتفريغ درس، أو مطالعة فتوى.. وغاية الترفيه عنده أن يقرأ مجلة البيان!!
والداه خارج دائرة وعيه، سيارته، مظهره وملابسه، صحته، رياضته، أقاربه، كل ذلك خارج الحساب، إن توافر وقت فوق البيعة، وعلى عجل، لكل ما عدا العلم، فلا بأس!!
وتتعدد الصور وتتكاثف..
آخر.. يستيقظ ليوقظ شاشة الحاسوب من سباتها، ولا يفارقها إلا لبيت الله أو بيت الخلاء! وقته كله، بين يدي الشاشة، حتى تغول وصار وجهه لوحا مقسما، كشعار مايكروسوفت تماما!! لا مكان فيه لمشاعر ولا أحاسيس، طعامه أوراكل، وشرابه جافا.. حتى أحلامه لا تتجاوز أرقاما بيضاء على شاشة سوداء..
وآخر.. كل حياته تواصل مع الناس، لا يسمع صوت نفسه إطلاقا، آخر مرة تناول فيها شيئا من طعام المنزل كانت في شهر ربيع الأول، ومرض بعدها لأنه أكل طعاما نظيفا..
إذا سجد، ظهرت له على سجادة المسجد شاشة الفيسبوك، كأنه ساجد على “آي باد”. وإذا سكت جواله عن الرنين فيا سواد ليله!! هو هارب من نفسه، لذا يحب الضجيج، ويهوى اختراع المواعيد والارتباطات..
وآخرون..
كل حياتهم رياضة وكرة، وآخرون، كل حياتهم شهوة مستعرة ورغبة، يحاولون بما أوتوا من قوة إشعالها بنظر أو سماع أو ملامسة…
وآخرون، كل حياتهم في البيت، كلها.. لا تغادر أسوار البيت الأربعة إطلاقا..
كل أولئك.. يعيشون أزمات “عميقة” على مستوى بشريتهم!!
كن إنسانا يا أخي..
لا تحاول أن تبلغ الكمال في جانب واحد من جوانب حياتك، فإن ذلك سيكون -ولا بد- على حساب جوانب أخرى مهمة..
كم تعرف من أناس متفوقين دراسيا، فاشلين اجتماعيا.. ورجال أعمال ناجحين ماليا، فاشلين أسريا.. وموظفين: ناجحين عمليا، راسبين إيمانيا..
أن يكون معدلك الدراسي 5/5، ومعدلك الاجتماعي 0 ، هذا رسوب!
أن تكون رقم “1″ لدى أصدقائك، وتحت الصفر لدى والديك، هذه كارثة.
أن تصرف كل جهدك لعقلك، وتهمل جسدك، هذا غباء “وأنا أول الأغبياء”.
أن تحسب شيئا ما، أو شخصا ما، أو عملا ما، كل الدنيا.. هذه معضلة.. لا حل لها إلا بأن تكون إنسانا..
الإنسان كائن حي، له ستة أقدام!! قدمان يمشي بهما، وأربعة أقدام أخرى، تسيره في حياته بشكل صائب!
روحه.
وعقله.
وجسده.
وعلاقاته.
ثمة أناس آلات، يمشون على قدمين فقط.. فلا تكن منهم..
كن إنسانا..
خفف من غلواء انجرافك نحو جانب واحد من حياتك..
ملخص القول:
إن شئت أن تكون إنسانا.. فكن متوازنا!



السلام عليكم
تدوينة رائعة:) اعجبت بها كثيرا
فعلا كلام مقنع وواقعي.. فنحن ومن حولنا نحاول بلوغ الكمال في جانب واحد من جوانب الحياة ونغفل التنويع والتوازن وكم هو ضروري في حياتنا
كلام جميل:)
أتمنى لك التوفيق
متابعة جديدة للمدونة..^^
أهلاً أخي الغالي..
كلماتك منقوعةٌ في دلوٍ ممتليءٍ بالذهب..
أُخرِجَت لتوزع على الناس كأنها السبائك بأبهى حُلة..
رائعةُ هي هذه الكلمات .. والأروع معانيها وصدق المشاعر والمكنون في كتابتها..
أجدت إيصال الفكره بأحسنِ طريقة..
لامست هذه التدوينه جانباً مني بشدة..!
أشكرك جزيل الشكر على هذا المجهود الذي بذلته..
أُختك..
أهلا أختي. وشكرا على الإطراء الذي لا أستحقه. شكرا جزيلا لكٍ
أهلا أختي، وأشرف بمتابعتك..
رائع جعلتني أراجع نفسي هنا
هل أنا انسان أم آلة رغم إدماني على الإنترنت إلا ان هذا لا يمنعني
ولله الحمد من قيامي بواجبات أهلي مع انه لدي قصور في الجانب الإجتماعي
كن انسانًا دعوة طيبة منك لكل انسان أن يتذكر ما هو عليه ويمنح نفسه وقتًا
يريحها فيه فكل انسان لبدنه حق عليه
شكرًا جزيلًا لك
مقال أكثر من رائع أخي عبدالله بارك الله في حروفك