حين تكون لديك معاملة ما، في دائرة حكومية، تحتاج إلى أن تملأ سبع استمارات، وتمر بعشرين موظفا، وتضع أربعة أختام في ثلاثة أوراق من مكتبين مختلفين، ويعطيك الموظف ورقة ما، يجب أن توقع من قبل المدير، فتصرف ساعة إلا ربعا في البحث عن المدير، ثم تجده فيوقع لك على الورقة، وتعود إلى الموظف ليعطيك ورقة أخرى ويقول لك: وقعها من المدير!!
يخرج الدخان من أذنيك، ويرتفع لديك الضغط، والسكر والملح والبهارات!!
ما الذي تصف به تلك المعاملة؟؟ قد تقول: بيروقراطية، قرف، وقد تقول غير ذلك، لكنك لا شك، ستقول: إنها معاملة تتسم بالتعقيد..
ولو ذهبت إلى دائرة حكومية أخرى، فوجدت أن كل ما يجب عليك: هو أن تملأ استمارة واحدة، وتجلس إلى موظف واحد، يدخل بياناتك في الحاسب، ثم يدعوك للانتظار بضع دقائق، وتنتهي المعاملة على خير.. فإنك ستصف الوضع بالبساطة!
وسيكون الأمر أبسط، لو أنك أنجزت المعاملة باتصال هاتفي..
إن البساطة محببة إلى النفس بالفطرة!!
وهي في الوقت ذاته.. تعبير عن تجل من تجليات التوحيد.. وسمة من سمات الموحدين والمخلصين!
(ضرب الله مثلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل، هل يستويان مثلا؟)
الموحد لا يحسب حساب رضى الناس وسخطهم، إنما يحسب حساب واحدٍ فقط، هو الله، إن رضي الله فلا يبالي سخط الناس أم رضوا!
بينما يعيش الفرد الآخر في عناء.. يحسب حساب الدولة حينا، والأهل حينا، وعلاقاته الاجتماعية حينا، وصورته في عيون فلان حينا، ومصلحته المادية حينا آخر.. تفاصيل متشاكسة متضاربة.. يحيا المرء معها في شقاء وعنت!!
هذه هي البساطة، في اجلى وأسمى صورها.. جوهر البساطة: تقليل التفاصيل.. والموحد لله سبحانه، المخلص له، يصهر كل حياته في بوتقة واحدة، فيطمئن ذهنه، و ترتاح نفسه.. ويكفيه الله همومه كلها..
يحكي ابن القيم رحمه الله قائلا:” إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده؛ تحمّل الله عنه حوائجه كلها ، وحمَل عنه كلّ ما أهمّه ، وفرّغ قلبه لمحبته ، ولسانه لذكره ، وجوارحه لطاعته ، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه؛ حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه” هذا ما فهمه ابن القيم من الحديث الشريف: “من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”..
البساطة منهج نبوي:
البساطة منهج نبوي أصيل، وحياة البي صلى الله عليه وسلم هي أصدق وأكمل تطبيق لقول الله سبحانه: (وما أنا من المتكلفين)
وحي كان الحزن يستبد بالنبي صلى الله عليه وسلم حين يقابله المشركون بالإعراض عن الحق الذي يدعوهم إليه؛ كانت الايات القرآنية تترى.. مرشدة إياه إلى أخذ الأمور ببساطة.. (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين؟) (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك! إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل) (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)
كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس، وهذا يعني تفاصيل كثيرة يمتلئ بها العقل، وكان أكثر الناس شغلا، فهو الرسول الكريم، والزوج، والأب، والإمام، والخطيب، والمربي، والمستشار، والحاكم، والقائد الحربي والقاضي، والمحتسب، ولكن هذه المهمات الجسام لم تنل من بساطته عليه الصلاة والسلام، بساطة في التعامل مع الناس، وبساطة في تفاصيل الحياة الشخصية، في النوم، والمأكل والمشرب، والملبس..
لماذا يجب ان أكون بسيطا؟؟ سؤال طويل.. حاول العديد من المدونين الإجابة عنه في مدونات متخصصة، أولها وأروعها من وجهة نظري.. الطريق الأبسط.. لأستاذ المدونين: عبدالله المهيري.
لم أشأ أن أغرد خارج السرب، فكتبت هذه التدوينة، ولعلي أعود إلى الموضوع ذات يوم..



لذلك أطلق عليها دوائر من الدوران و(الفلفة ) حتى تصل إلى مرادك وحكوميه لأن الحكومة هي من يقوم بذلك الدور
ما اجمل البساطة .. التكلف عبارة عن جبل محمول على عاتق المتكلف ..
شكرا لك يا استاذي