ما هو السجن؟؟ سؤال سخيف حقا، لكني أحاول أن أجيب عنه أولا، ثم أعرف مزاياه وفوائده ثانيا، وأعرف مآسيه وضريبته ثالثا، ثم أسعى إلى تقديم وصفة لسجن اختياري يحصل المرء فيه على مزايا السجن دون عيوبه.
هذه هي الفكرة أولا.
ما هو السجن؟
السجن كما في ويكيبيديا هو: “المكان الذي تتم فيه سلب حرية الإنسان. وهو مكان معد ليكون صالحا لحبس شخص أو أكثر ويكون إعداده بوضع الأسوار والقضبان الحديدية وتعيين الحراسة اللازمة لمنع المسجون من الفرار. وبعبارة أخرى يتم وضع كل الوسائل الممكنة لمنع الشخص من الخروج من المكان المحبوس فيه وتحت سيطرة كاملة لحراس السجن.”
وتفكيكنا لهذا التعريف يعني أن السجن يحتوي العناصر التالية:
- سلب حرية المرء لوقت معين بناء على قرار.
- وحبسه في مكان محدد.
- ووضع قيود وضمانات تضمن عدم خروجه من محبسه.
وهذه الأوصاف تصدق على أماكن كثيرة غير السجن، فالمدرسة سجن، والدوام الوظيفي سجن، وكذلك التنويم في المستشفى، والعيش في المنزل “في حالات معينة!” أمور كثيرة يصدق عليها وصف السجن، رغم أنها ليس فيها أغلال ولا سلاسل ولا زنازين، ورغم أن المرء يسعى إليها أحيانا ويجد فيها الأمان..
تعددت الأغلال.. والسجن واحد:
كما أن القرار بتقييد حرية إنسان ما، قرار لا يقتصر على القاضي، فأكبر وأصعب الأحكام بالسجن؛ لا تطلق في أروقة المحاكم، بل في أغوار النفوس!! وكثير من أحكام السجن لا يطلقه القضاة، بل يطلقه المرء على نفسه، ويطلقه الوالد على أولاده، والعكس كذلك، وما أكثر القضاة الذين تخولهم الصلاحيات حق الحكم بالسجن، الطبيب قد يحكم على مريض ما بالسجن لأيام أو أسابيع في المستشفى، وقد يقيد حريته في تناول ما شاء من الطعام، والمدير قد يحكم على مرؤوسه بالسجن لساعات إضافية، بل إن الموظف ليحكم على نفسه بالسجن بمجرد قبوله الوظيفة أو سعيه -ياللعجب- إلى قبولها!! والمثل الشعبي يقول إن البس يحب خناقه!
إن الحرية -كما يقول أحدهم- تباع، وتؤجر، وتوهب!!
والسجن ليس دائما عقوبة! فحقيقة السجن: تقييد الحرية، والحرية في حقيقتها هي القدرة على الاختيار.
ولكي نثبت أن السجن ليس عقوبة دائما، يجب علينا أن نقرر أن القدرة على الاختيار ليست دائما نعمة.. ولهذا حديث طويل آخر (في مقال: أين نتعشى؟؟) بيد أن من الجيد أن نشير إلى أن الحرية المطلقة غير موجودة أبدا في أي مكان، فثمة قيود تكبح جماحها.. من الدين والعرف والقيم والظروف المحيطة..
ومن الجيد أن ندرك أن القدرة على الاختيار، كما أنها باعث من بواعث السعادة والشعور بالوفرة، إلا أنها باعث من بواعث الحيرة وتشتيت التفكير.. وهي مكسب له ضرائب متعددة منها أن على المرء أن يقوي قدرته على التحكم في الذات وعدم الاسترسال في الرغبات، والقدرة على تأجيل الملاذ والمشتهيات، كما يرفع المرء يده عن الطعام المشتهَى خوفا من السمنة، وكما يفعل الراعي حين يصرف الإبل عن شرب الكثير من الماء..
كما تعني الحرية أن على المرء أن يقبل بشيء من التشتت وتضييع الوقت في الاختيار بين أشياء متعددة لا جدوى من المفاضلة بينها أحيانا..
أي: أن غياب البدائل يركز التفكير، كما يقول كيسنجر، وهذا ما عناه ابن الخياط بقوله:
وأيسر ما كابدته النفوس من الأمر: ما لم تجد منه بُدّا !!
لماذا أسجن نفسي؟
سؤال منطقي، جوابه: أن العاقل يفعل كثيرا مما يزعجه لأنه ينفعه، كما يقبل المرء على العمل الشاق بنفس مفتوحة من أجل الحصول على المال، وكما ينكب الطالب على مذكراته وكتبه دارسا من أجل التفوق الدراسي.. و:
رب أمر سر آخره بعد ما ساءت أوائله
ليس كل ما يسر المرء ينفعه، وليس كل ما ينفعه يسره، هذا أمر يتفق عليه العقلاء من الناس نظريا وتطبيقيا.
وثمة أمر آخر.. هو أن ما هو آت آت.. فما دام المرء مسجونا لا محالة، فليكن ذلك بيده لا بيد عمرو!! إن المرء لا يخلو من حالين: أن يكون له هدف يحبس نفسه من أجله، أو يكون وسيلة توصل الآخرين إلى أهدافهم! وما دام هذا هو الواقع؛ فإن على المرء أن يختار بين أمرين أحلاهما مر.. أن يكون سجين نفسه، أو يكون سجين الآخرين..
وفي الحديث القدسي “لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين..”
ولهذا صلة بقول أحدهم: أتعس الناس من باع دينه بدنيا غيره!!
انتماء الإنسان إلى شيء ما.. يعني أن يعلق المرء رقبته به، وهذا هو سر ربط كثير من الناس رقابهم بأرجل غيرهم، من خلال الانغماس في التشجيع الكروي، الذي يعد إشباعا لحاجة أساسية من حاجات الإنسان هي الحاجة إلى الانتماء..
هل استطعت أن أقنع القارئ بأن من الطبيعي جدا أن يصدر المرء عل نفسه حكما بالسجن؟؟ لست أدري..
بعدما حاولت أن أقترب من “ماذا” و”لماذا” بإجابة أنا أول من يعترف أنها ناقصة، لا تعدو كونها ملاحظات عابرة، سأحاول أن أجيب على “كيف”، في الجزء الثاني من هذا المقال..
نلتقي على خير..


