إرشيف شهر يونيو, 2010

كن إنساناً

الإثنين, 14 يونيو, 2010

منذ الصباح الباكر يبدأ برنامجه اليومي، يستيقظ عجلا، يصلي بدون نفس، يغتسل ويجهز أوراقه ومذكراته، يحشو المستندات في حقيبتين، والملابس التي سيلبسها، والأدوات المطلوب إحضارها، والحاسوب المحمول، وأشياء أخرى.. كل ذلك في أكياس تقل أو تكثر، ثم يعدو إلى السيارة عدو الوحوش، يدخل إلى القاعة عجلا، وهو يكاد يغص من الإفطار الذي حشاه في فمه حشواً عنيفاً لضيق الوقت..

لديه بعد المحاضرات مواعيد أخرى، الغداء -كالعادة- وجبة سريعة يلتهمها في السيارة، الجدول مضغوط وممتلئ، الوقت لا يسمح لموعد جديد، ولا لساعة استرخاء، موعدٌ تلو موعد، اجتماع هنا، وواجب هناك، وبحث هنا، ومكالمة هاتفية من هناك، لا بد له أن يستعمل كل شيء لينجز أكثر، مع كل وسائل التقليص والتوفير والتفويض.. لا يزال العبء كبيرا..

بعد أن تنام المدينة كلها.. عدا إشارات المرور ورجال الأمن.. لا يزال أخونا مستيقظا!!
في الثانية صباحاً يختطفه النوم اختطافا، في غرفته، أو في السيارة، إذ لا طاقة له على الصعود إلى الأعلى!!
ألف التعب والعناء، واعتادت أعصابه أن تبقى مشدودة حتى إنه ليكاد أن يصاب بانهيار عصبي حين يهدئ أعصابه!!
شغل متواصل، “كرف” لا ينتهي.. هو “آلة” في ثوب آدمي، مهمته أن يعمل وينجز، فقط.
هذه صورة لآلة/ إنسان.

وثمة صورة أخرى.. صورة شاب آخر، مستغرق في النشاط الجامعي إلى النخاع، وجوده داخل أسوار الجامعة مؤكد، أكثر من وجود حارس أمن البوابة، وأكثر من وجود عمال البوفيه والنظافة. صحته، لياقته، إيمانه، أهله، معدله التراكمي… كل أولئك كان محله في الحاشية، وليس في المتن إلا كلمة واحدة.. النادي، والنادي فحسب.

وهاكم صورة ثالثة.. طالب علم شرعي، وقته كله مغمور بالعلم، يفطر على حديث، ويتغدى بشرح، ويتعشى بمنظومة، ويتسلى بين الوجبات بوجبات خفيفة، كتفريغ درس، أو مطالعة فتوى.. وغاية الترفيه عنده أن يقرأ مجلة البيان!!

والداه خارج دائرة وعيه، سيارته، مظهره وملابسه، صحته، رياضته، أقاربه، كل ذلك خارج الحساب، إن توافر وقت فوق البيعة، وعلى عجل، لكل ما عدا العلم، فلا بأس!!

وتتعدد الصور وتتكاثف..

آخر.. يستيقظ ليوقظ شاشة الحاسوب من سباتها، ولا يفارقها إلا لبيت الله أو بيت الخلاء! وقته كله، بين يدي الشاشة، حتى تغول وصار وجهه لوحا مقسما، كشعار مايكروسوفت تماما!! لا مكان فيه لمشاعر ولا أحاسيس، طعامه أوراكل، وشرابه جافا.. حتى أحلامه لا تتجاوز أرقاما بيضاء على شاشة سوداء..

وآخر.. كل حياته تواصل مع الناس، لا يسمع صوت نفسه إطلاقا، آخر مرة تناول فيها شيئا من طعام المنزل كانت في شهر ربيع الأول، ومرض بعدها لأنه أكل طعاما نظيفا..
إذا سجد، ظهرت له على سجادة المسجد شاشة الفيسبوك، كأنه ساجد على “آي باد”. وإذا سكت جواله عن الرنين فيا سواد ليله!! هو هارب من نفسه، لذا يحب الضجيج، ويهوى اختراع المواعيد والارتباطات..

وآخرون..

كل حياتهم رياضة وكرة، وآخرون، كل حياتهم شهوة مستعرة ورغبة، يحاولون بما أوتوا من قوة إشعالها بنظر أو سماع أو ملامسة…
وآخرون، كل حياتهم في البيت، كلها.. لا تغادر أسوار البيت الأربعة إطلاقا..
كل أولئك.. يعيشون أزمات “عميقة” على مستوى بشريتهم!!

كن إنسانا يا أخي..

لا تحاول أن تبلغ الكمال في جانب واحد من جوانب حياتك، فإن ذلك سيكون -ولا بد- على حساب جوانب أخرى مهمة..

كم تعرف من أناس متفوقين دراسيا، فاشلين اجتماعيا.. ورجال أعمال ناجحين ماليا، فاشلين أسريا.. وموظفين: ناجحين عمليا، راسبين إيمانيا..

أن يكون معدلك الدراسي 5/5، ومعدلك الاجتماعي 0 ، هذا رسوب!
أن تكون رقم “1″ لدى أصدقائك، وتحت الصفر لدى والديك، هذه كارثة.
أن تصرف كل جهدك لعقلك، وتهمل جسدك، هذا غباء “وأنا أول الأغبياء”.
أن تحسب شيئا ما، أو شخصا ما، أو عملا ما، كل الدنيا.. هذه معضلة.. لا حل لها إلا بأن تكون إنسانا..

الإنسان كائن حي، له ستة أقدام!! قدمان يمشي بهما، وأربعة أقدام أخرى، تسيره في حياته بشكل صائب!

روحه.
وعقله.
وجسده.
وعلاقاته.

ثمة أناس آلات، يمشون على قدمين فقط.. فلا تكن منهم..
كن إنسانا..
خفف من غلواء انجرافك نحو جانب واحد من حياتك..

ملخص القول:
إن شئت أن تكون إنسانا.. فكن متوازنا!


ريان.. لا يعرف

الإثنين, 7 يونيو, 2010

ريان.. صديق عزيز، في الصف الثالث الثانوي..

أخبرني ريان أنه ،مع اقتراب موعد تخرجه، لم يحدد تخصصه الجامعي، ولا فكر في وجهته في الحياة.

عادة.. أقف موقف المشفق على ريان وأشباهه من الشباب، الذين لم يتعرفوا بعد على ذواتهم، ولم يعرف الواحد منهم مجاله الحقيقي الذي تؤهله له قدراته الحقيقية.. ومن ثم يواجه حيرة شديدة عند اختيار تخصصه الجامعي، يلجأ إلى حلها بالاختيار العشوائي لتخصص ما، أو الانصياع لرغبة الوالد أو اقتراح أحد الأصدقاء، أو التفكير في نظرة المجتمع إلى التخصص الذي سيختاره.. أي أنه باختصار شديد، يلغي عقله ويتجاوب مع عاطفته أو عاطفة غيره! إنه يعلق مستقبله العلمي والعملي برغبة صديق أو والد..

ولست أدري من ألوم؟! المناهج المدرسية التي لا يخطر ببالها أن تعلم الطالب كيف يختط دربه في قادم أيامه، ام ألوم المدرسين، أم ألوم الآباء، أم…

بعد تفكير طويل، قررت أن ألوم الشباب أنفسهم!

قررت أن الوم الشاب الذي وجد الكثير من الوقت لمناشط وهوايات لا أجرم أنها تضر ولكني أجزم انها لا تنفع، لكنه لم يجد الفرصة ليجلس مع نفسه ويفكر في مستقبله!

أزمة خانقة.. أن يكتشف ريان أنه لا رأي له في الإجابة على سؤال “من أنا؟”، وأنه لا دراية له بما يسره الله له إذ خلقه، وكل ميسر لما خلق له، وستكون النتيجة ان يحتار ريان بين كليتي الشريعة والهندسة، وكان الأحرى به أن يختار بين الجامعة وبين حلقة الخضار..

ولست أدري لماذا يعتقد ريان أنه لا بد له من الدراسة الجامعية لكي يتمكن من العيش! وكأن الرزق لا يمنح إلا لحاملي شهادة البكالوريوس!  ولماذا لا تجري الجامعة لريان وأمثاله (وهم كثر للأسف) اختبارات يتبين من ورائها صلاحيته للدراسة في الجامعة! واختبارات أخرى يتبين منها التخصص الملائم له، حتى لا يمر بعد سنتين من الدراسة بكلية غير التي انتظم فيها، فينشد في حسرة:

جسمي معي.. غير أن الروح عندكم     فالجسم في غربة، والروح في وطن


دعوة للبساطة

الأربعاء, 2 يونيو, 2010

حين تكون لديك معاملة ما، في دائرة حكومية، تحتاج إلى أن تملأ سبع استمارات، وتمر بعشرين موظفا، وتضع أربعة أختام في ثلاثة أوراق من مكتبين مختلفين، ويعطيك الموظف ورقة ما، يجب أن توقع من قبل المدير، فتصرف ساعة إلا ربعا في البحث عن المدير، ثم تجده فيوقع لك على الورقة، وتعود إلى الموظف ليعطيك ورقة أخرى ويقول لك: وقعها من المدير!!

يخرج الدخان من أذنيك، ويرتفع لديك الضغط، والسكر والملح والبهارات!!

ما الذي تصف به تلك المعاملة؟؟ قد تقول: بيروقراطية، قرف، وقد تقول غير ذلك، لكنك لا شك، ستقول: إنها معاملة تتسم بالتعقيد..

ولو ذهبت إلى دائرة حكومية أخرى، فوجدت أن كل ما يجب عليك: هو أن تملأ استمارة واحدة، وتجلس إلى موظف واحد، يدخل بياناتك في الحاسب، ثم يدعوك للانتظار بضع دقائق، وتنتهي المعاملة على خير.. فإنك ستصف الوضع بالبساطة!

وسيكون الأمر أبسط، لو أنك أنجزت المعاملة باتصال هاتفي..

إن البساطة محببة إلى النفس بالفطرة!!

وهي في الوقت ذاته.. تعبير عن تجل من تجليات التوحيد.. وسمة من سمات الموحدين والمخلصين!

(ضرب الله مثلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل، هل يستويان مثلا؟)

الموحد لا يحسب حساب رضى الناس وسخطهم، إنما يحسب حساب واحدٍ فقط، هو الله، إن رضي الله فلا يبالي سخط الناس أم رضوا!

بينما يعيش الفرد الآخر في عناء.. يحسب حساب الدولة حينا، والأهل حينا، وعلاقاته الاجتماعية حينا، وصورته في عيون فلان حينا، ومصلحته المادية حينا آخر.. تفاصيل متشاكسة متضاربة.. يحيا المرء معها في شقاء وعنت!!

هذه هي البساطة، في اجلى وأسمى صورها.. جوهر البساطة: تقليل التفاصيل.. والموحد لله سبحانه، المخلص له، يصهر كل حياته في بوتقة واحدة، فيطمئن ذهنه، و ترتاح نفسه.. ويكفيه الله همومه كلها..

يحكي ابن القيم رحمه الله قائلا:” إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده؛ تحمّل الله عنه حوائجه كلها ، وحمَل عنه كلّ ما أهمّه ، وفرّغ قلبه لمحبته ، ولسانه لذكره ، وجوارحه لطاعته ، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه؛ حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه” هذا ما فهمه ابن القيم من الحديث الشريف: “من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”..

البساطة منهج نبوي:

البساطة منهج نبوي أصيل، وحياة البي صلى الله عليه وسلم هي أصدق وأكمل تطبيق لقول الله سبحانه: (وما أنا من المتكلفين)

وحي كان الحزن يستبد بالنبي صلى الله عليه وسلم حين يقابله المشركون بالإعراض عن الحق الذي يدعوهم إليه؛ كانت الايات القرآنية تترى.. مرشدة إياه إلى أخذ الأمور ببساطة.. (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين؟) (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك! إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل) (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)

كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس، وهذا يعني تفاصيل كثيرة يمتلئ بها العقل، وكان أكثر الناس شغلا، فهو الرسول الكريم، والزوج، والأب، والإمام، والخطيب، والمربي، والمستشار، والحاكم، والقائد الحربي والقاضي، والمحتسب، ولكن هذه المهمات الجسام لم تنل من بساطته عليه الصلاة والسلام، بساطة في التعامل مع الناس، وبساطة في تفاصيل الحياة الشخصية، في النوم، والمأكل والمشرب، والملبس..

لماذا يجب ان أكون بسيطا؟؟ سؤال طويل.. حاول العديد من المدونين الإجابة عنه في مدونات متخصصة، أولها وأروعها من وجهة نظري.. الطريق الأبسط.. لأستاذ المدونين: عبدالله المهيري.

لم أشأ أن أغرد خارج السرب، فكتبت هذه التدوينة، ولعلي  أعود إلى الموضوع ذات يوم..










الوسوم


حرف عطف مدعوم بواسطة ووردبريس القالب بواسطة solucija تنفيذ ستوديو - ستايل.