إرشيف شهر أبريل, 2010
ذهب أحدهم إلى الإمام أحمد بن حنبل زائرا، وجلس عنده ما شاء الله له أن يجلس، ثم عاد إلى منزله، وما إن أغلق الباب حتى جاوبه الباب بطرقات تنبئ عن زائر قادم.
فتح الباب، فرأى الإمام أحمد، الذي حياه وقال له: جئتك زائرا.
استغرب الرجل، وقال: سبحان الله، ألم أكن عندك قبل دقائق؟
قال الإمام أحمد: بلى، ولكني كنت قد نويت أن أزورك قبل ان تزروني، ولا أحب أن أعود نفسي أن أنوي شيئا ثم لا أفعله.
وثمة موقف مشابه آخر.. للإمام أحمد أيضا..
ففي موسم الحج.. قابل الإمام أحمد.. محدث اليمن، عبدالرزاق الصنعاني، في مكة المكرمة, ونسق أحدهم لجلسة تجمع الإمامين، ولما انتهى الحج.. وعاد عبدالرزاق إلى اليمن؛ إذا أحمد يلحقه في اليمن، ويقول: إني نويت أن أزوره قبل أن أراه في الحج، ولا أعزم على شيء فأنقضه!
ربما تقول: ماذا كسب الإمام أحمد من هذه السفرة الطويلة، من بغداد إلى صنعاء، مشيا على الأقدام؟ ألم يكن يستطيع أن يجلس في مكة مع عبدالرزاق جلسات مكثفة يتلقى فيها الحديث عنه؟
بلى، إنه بالمقياس المادي المجرد لم يكسب شيئا، لكنه بالمقياس المعنوي كسب شيئا عظيما.. كسب الروح التي تدفعه للارتقاء الدائم، قد يكون خسر المعركة، لكنه ربح الحرب بالتأكيد.
الحزم مع النفس.. هو سر الارتقاء الدائم، والتألق المستمر، والتحسن المستدام.
هذه السياسة الحازمة مع النفس هي التي جعلت إبراهيم الحربي يقول: صحبت الإمام أحمد عشرين سنة، فلم ألقه في يوم إلا كان زائدا عنه بالأمس!
هذه التدوينة واحدة من نبضات تدوينة “دعوة إلى الجودة” لأننا كشفنا فيها عن سمة من سمات الإمام أحمد، وهي: التطور المستمر، والتألق الدائم، وهذان من سمات الجودة حسب معايير منظري إدارة الجودة الشاملة.
عائق حقيقي:
وقد يكون من السهل أن نتحدث عن تطور مستمر في أداء مصنع او آلة، لكن من الصعب جدا أن نتحدث عن تطور مستمر وصعود دائم في حياة الإنسان، لأن الإنسان -بطبيعته التي خلقه الله عليها- يتفاوت بين شرة وفترة، ونشاط وخمول، وحماس وفتور..
وسر الاحتفاظ بالتألق الدائم يعني تجاوز أكبر قدر ممكن من هذه العوائق، وتحجيم أثرها -لا إالغاءَها تماما-، فقد كان الفتور يصيب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا، وهو القمة في التقوى والخشية..
وللوصول إلى التألق الدائم، هذه ثلاث نصائح أرى أنها مفيدة جدا، في هذا الصدد:
1. اعرف نفسك:
حتى تستفيد من حاسوبك المحمول أقصى فائدة ممكنة؛ عليك ان تتعرف عليه أولا، على مميزاته، ونقاط قوته.. وهل تحتمل طاقته أن تثبت عليه برامج ثقيلة كبرامج المونتاج التلفزيوني ونحوها أم لا.. اصنع هذا مع نفسك، تعرف على ميولها، ونقاط قوتها وضعفها، ومتى تكون في أوج نشاطها، ولماذا؟ وما هي الأجواء الأنسب لها حتى تعمل بأقصى ما يمكن.. إلخ.. أسئلة كثيرة لعلي أرد لها تدوينة فيما بعد..
على قدر معرفتك بنفسك.. يكون نجاحك في الخطوة التالية المهمة: وهي:
2. ركز على نقاط قوتك واستثمرها:
الإمام أحمد -الذي ابتدأنا المقال بذكره- عرف نقطة قوته، وهي: الحفظ الخارق، فاتجه إلى الحديث الشريف الذي يتطلب قدرة غير عادية على حفظ آلاف الأحاديث، وعشرات الآلاف من الرجالن ومئات الآلاف من الأسانيد والطرق، وكان له ما أراد.
3. ارفع الحد الأدنى بشكل مستمر:
الحد الأدنى من الإنجاز هو : أقل قدر يمكن أن تمارسه من نشاط معين.
ورفع هذا الحد الأدنى من أهم عوامل الجودة الذاتية، فما دام المرء لا بد له من النزول، فلا يكن نزوله إلى القاع، بل إلى ما هو أعلى منه، وما دام المرء لا بد له أن ينام؛ فليكن خفف النوم!
بالمثال يتضح المقال: لو كان الحد الأدنى للقراءة: نصف ساعة يوميا، فإن عليك أن ترفعه إلى 35 دقيقة، ثم إلى 40 دقيقة، ثم إلى ساعة في اليوم، بشكل متدرج ودائم.
ولو كان الحد الأدنى من الصلوات عندك هو: اداء الصلوات الخمس، فارفع الحد الأدنى قليلا وأضف إليها السنة الراتبة قبل صلاة الفجر، ثم الوتر، وهكذا..
4. ارفع الحد الأقصى للإنجاز:
ما هي الآفاق التي لم تصلها أبدا في إنجازك؟ حاول أن تتفوق على نفسك ولو لمرة واحدة. وتيرة حياتك عبارة عن طيارة يقودها طيار آلي، يطير بالطائرة في ارتفاع محدد، مهمتك أن تقاوم الطيار الآلي، وترتفع بالطائرة إلى ارتفاعات أعلى من المعتاد، لا يهم أن يكون ذلك لوقت قصير، فثمة فرص قادمة، المهم هو كسر الحاجز النفسي الذي يمنعك من الصعود إلى قمة أعلى مما اعتدت عليه.
فيما بعد اصعد، بشكل تدريجي، وارفع الحد الأعلى بشكل ممنهج..
5. اعمل بآلية وتغلب على رغبات نفسك، وقد وضحت هذا بشكل أوضح في مقالة أخرى، فارجع إليها.
وهذه الآلية.. هي التي اعتمدها الإمام الطبري الذي مكث أرعين سنة، يكتب في كل يوم 40 ورقة، والإمام الباقلاني الذي كان لا ينام حتى يكتب خمسا وثلاثين ورقة!
وإلى لقاء.. مع الجودة..
صلى الإمام ابن أبي حاتم الرازي بالناس ذات يوم، فأطال الصلاة، فلما سلم قال له أحد المصلين: لقد أطلت، حتى إني سبحت في سجودي سبعين مرة؛ فقال ابن أبي حاتم: لكني والله ما سبّحت إلا ثلاثا!!
هكذا هو الأمر إذن! إنها الجودة، لا تجتمع عادة مع الكثرة..
القراءة الخاشعة.. تعني قراءة بطيئة..
والصلاة الخاشعة.. تعني ركعات أقل، في وقت أطول..
والوقت الذي يكفي لسبعين تسبيحة عادية، لا يكفي لأكثر من ثلاث تسبيحات عميقة!
المبلغ الذي يكفي لعشرة ثياب عادية.. يكفي لثوب فاخر واحد..
والنوم في فندق “سبع نجوم” يكلف مالا يكفي للمبيت في “موتيل” بسيط لعشرين يوما..
والأمر أوسع..
الوقت الذي يكفي لإنضاج مثقف حقيقي، وعالم حقيقي، يكفي عشره لإنتاج مثقف “فشنك” طبخ طبخا عاجلا بقدر الضغط!
الوقت الطويل.. والمال الكثير.. والعلم الغزير.. والعلاقات العميقة.. أمور نادرة، لأن الحصول عليها.. صعب جدا..
إلا في حالة واحدة!
هي: وجودك في خانة القوة..
ولكل إنسان خانة قوة معينة، هي موهبته وإمكاناته.
قال عليه الصلاة والسلام: صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل!
.. إن الجهد القليل من أبي طلحة يساوي جهود كثير من الناس..
وهذه هي الموهبة: أن يسهل عليك شيء ما، هو صعب على الآخرين، فابحث عن جيشك.. وكن أبا طلحة!!
لا تبحث عن الأرخص، واطلب الأجود!
لا تتمن الأسهل، تمنّ الأفضل!
لا تفعل الأحب إلى نفسك، افعل الأجمل والأروع!
أتقن، ولا ترض بشغل “أي كلام!” فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه!
اعمل بجد، اتعب، واجهد.. واعرق.. ولا تقنع بما دون النجوم..
كن الأجود.. واعلم أن الوصول للجودة.. يعني -ربما- أنك ستعمل أكثر..
وتتعب أكثر..
وتقضي وقتا أطول، في سبيل منتجات أقل عددا..
لكنْ.. عزاؤك.. هو أن منتجك سيكون الأطول عمرا.. لأنه هو الذي ينفع الناس، وما عداه.. مجرد زبد!! (فأما الزبد فيذهب جفاء.. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)
بعدما يمر الزمان.. سيبقى الأفضل فقط..
تلك الشجرة التي لم تنبت بسرعة؛ هي التي تصمد في وجه العاصفة!
ذلك الذي بنى نفسه عبر سنوات طوال من الأعمال الشاقة، من قراءة وبحث، ومدارسة ومثاقفة، هو الذي سيسطع نجمه!!
كانت أمي تقول لي: إن الغالي.. ثمنه في داخله!!
فرق.. بين الذهب و”الفالصو”.. كلاهما يمتلك نفس اللون، لكن الذهب هو الأغلى..
وهو الأفضل!!
وهو الذي سيعيش أطول.. ويحتفظ ببريقه.. رغم الظروف الصعبة..
أنت من تقرر.. أن تكون معدنا حقيقيا.. أو زائفا!!
أن تكون أصليا.. أو مغشوشا!!
إن أردت الأفضل، فالمثل اليمني يخبرك:
الحالي غالي!!
والمثل المصري ينبيك:
اللي عاوز الدحة، مايئولش أحّا!!
والمثل الحجازي يخبرك:
الرخيص نغيص!!
وفي النهاية.. يبقى القرار بيدك أنت
أن تكون جيدا أو عاديا، أن تكون درة أو زجاجة، أن تكون رجلا.. أو رجيلا!!
ألا هل بلغت؟؟
اللهم اشهد!!
حين أقارن بين حالنا وحال أعدائنا الذين يتعمدون استفزازنا بإهانة المصحف الشريف، أتذكر قصة النحوي الذي سأل أحد الحمقى: ما فعل فلان بحماره؟؟
فأجاب الأحمق: باعِه!
قال النحوي: قل: باعَه.
قال الأحمق: ولماذا قلت لي أنت: ما فعل فلان بحمارِه؟
قال النحوي: الباء عندي تجر.
قال الرجل: ما الذي جعل باءك تجر وبائي لا تجر؟!
وأتساءل ،متقمصا دور الأحمق، ما الذي يجعل امتهان أعدائنا للقرآن العظيم يجر غضبنا وسخطنا، وامتهاننا نحن للقرآن لا يجر شيئا، ولا يثير نكيرا؟؟! أكمل قراءة التدوينة »
1
قال لي صديقي حمد:
انقلبت بي السيارة ذات يوم، وخرجت منها سليما معافى بحمد الله، وما إن نفضت ثوبي حتى رن هاتفي المحمول، وكان المتصل.. أمي!
- حمد، كيف حالك؟
- أنا بخير يا أمي.
- حمد! لا تكذب علي!! لقد حصل لك شيء ما!
- والله العظيم يا أمي أنا بخير حال!
بدا في صوت الأم عدم الاقتناع وهي تودع ابنها ثم تقفل الخط!!
يقول لي هذا الصديق: فزعت جدا، وقلت: ما الذي جعلها تشعر أن شيئا ما قد جرى لي؟!! لا أدري!
2
قالها لي أبو عبدالعزيز..
كنت في لندن، في مهمة صغيرة، وفجأة، وبدون تفكير، أخذت هاتفي واتصلت بزوجتي، وقلت لها:
- عبدالعزيز، إياكِ أن يقود السيارة اليوم!!
لماذا اتصلت؟ لا أدري! ما سر هذا التحذير؟ لا أعلم..
ورجعت إلى مكة، وحين لقيني أحد الجيران: قال لي: حمدا لله على سلامتك، وحمدا لله على سلامة عبدالعزيز! لقد كاد يروح في خبر كان، حادث وشيك ولكن الله سلم!
3
قالها لي وسام..
أزمع بعض أصدقائي أن يسافروا معا، وسألت أمي، لك تكن أمي تمانع عادة.. لكها قالت لي: لا تذهب هذه المرة!
ألححت عليها، وتحت ضغط مني قالت: اذهب.
وخرجت، وفي أول طريق رئيسي.. حصل لي حادث مريع! وكان أول ما تذكرته.. أمي، التي قالت: لا تذهب هذه المرة!
هذه ثلاث قصص حقيقية، سمعتها من أصحابها، وهناك المزيد بالتأكيد..
ما هو السر في هذا الاقتران بين الأم وابنها؟؟
ما اسم الجهاز الذي يربط الأم بابنها على هذا النحو؟؟
لا أدري! وأتمى أن أجد من يدري!!
ثم.. كيف نتعامل مع مخاوف الوالدين، التي نراها أحيانا غير مبررة؟ هذا موضوع طويل..
أنا الآن على وشك سفر، أي أني لن أطيل في الجواب، وليس الهدف من هذه التدوينة. الإجابة؛ بقدر ما هو .. طرح السؤال فحسب، أنتظر إجاباتكم..
ليست مشكلة في عصرنا هذا أن تكون آخر من يعلم، بموضة جديدة في اسكوتلندا، او نتائج مباراة في الدوري الأوروبي، او نزول طراز جديد من السيارات أو الحواسيب إلى الأسواق، ولكن ستكون كارثة عارمة؛ لو أن ثمة عادة قبيحة.. تنفر الناس منك وأنت لا تدري عنها!
.. قد تكون ثرثارا، وقد تكون أبخر، وقد تكون ألفاظك جارحة، أو يكون صوتك مرتفعا أكثر مما ينبغي، وقد تكون من الذين يكثرون الحديث عن بطولاتهم، وقد تكون من المصابين بداء المبالغة والتهويل..
والناس يعلمون هذا، ويتجنبونك من أجله، وأنت لا تعلم!!
حاول أن تتعرف على سلبياتك لتتجنبها.. أو تحجّمها لم لم يكن بمقدورك إلغاؤها، وطريقك إلى هذا وسائل عديد.. أعرض عليك منها ثلاثة..
1. راقب سلوكك بدقة، وسجل الأشياء التي ترى ان الناس لا يتقبلونها منك، واعمل على التخلص مما يمكن التخلص مننه.
2. اسأل المقربين منك، أن يخبروك بلا مجاملة، عن سلبياتك ونواحي قصورك.
3. لاحظ: إذا انتقدك أحدهم، فخذ انتقاده هذا على أنه كلام يحتمل الصواب، وابحث بكل تجرد في نفسك عن مدى صوابية ما قاله من وجه لك النقد.
هذا تحد.. على المرء أن يواجهه لكي يظفر بواقع اجتماعي أفضل وأرقى..
مع ملاحظة أن الإنسان سيظل محتفظا بكم لا بأس به من العيوب حتى يغادر هذه الحياة، وملاحظة أن التخلص م العيوب المتجذرة في النفس أمر ليس سهلا، بل يحتاج إلى عزيمة وجلد واستعانة بالله سبحانه..
أسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا..