إرشيف القسم : لحياة أفضل

تحدي التألق

الجمعة, 23 يوليو, 2010

الجميع يقولون: إن الفشل مشكلة، ولكن القليلين جدا هم الذين يدركون أن النجاح مشكلة!

ونحن مخيرون في أيامنا هذه أن نعيش بين أمرين أحلاهما مر: الراحة، التي تعني الفشل والتفاهة، والتعب الذي يعني العمل والكفاح والنصَب من أجل النجاح والتميز.  أي أننا مخيرون بين أن نموت من الإرهاق، أو أن نموت من الملل كما يعبر توماس كارليل!!

حين يحقق الواحد منا نجاحاً معيناً؛ فإن المشكلة الحقيقية تبدأ هنا، وهي أن الإنسان مطالب ببذل جهدٍ أفضل مما بذله للوصول إلى نجاح آخر.

وكلما حقق المرء نجاحاً ما.. اتسع مفهوم الفشل ليشمل أشياء كانت تعد في السابق نجاحات، واتسعت مساحة “ما لا يقبل وما لاينبغي” بالنسبة له، إنه مطالب أن يكون يومه أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه! ولذا  قالوا: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه خيراً من أمسه فهو مرحوم، ومن كان أمسه خيرا من يومه فهو محروم!

وإن كانوا يقولون: “حسنات الأبرار سيئات المقربين” فإن حسنات الناس العاديين هي سيئات الناجحين. وكما يقول الكاتب الألماني بريشت: ليس من الضروري أن تكون هزائم وانتصارات من هم في القمة هي نفسها هزائم وانتصارات من هم في القاع.

تناولت موضوع التألق في تدوينة سابقة، والنقاط الآتية قد تضيف شيئا مفيداً حول تحدي التألق.

- النجاح مرتبط بالطموح، والطموح عذاب حقيقي، لأنه لا يقف عند حد، فالطامح يرى الوضع دائماً في حاجة إلى تحسين، ويرى أنه يستطيع الوصول إلى ما هو أفضل، وفي سبيل الوصول إلى الأفضل لا بد له من تعب ونصب، ولا بد له من التعايش مع هذا التعب، كمايقول أحد الطموحين: الإمام ابن الجوزي رحمه الله: “إني استسلمت لتعذيبي، ولعل تهذيبي في تعذيبي”.

- مطالبة النفس برفع مستوى الأداء من أكبر المحفزات للإبداع والإنجاز، ومن أكبر الكوابح التي تمنع المرء من الهوي إلى هوة الانطفاء، أو التقهقر للوراء.

-  سنة التدرج توحي لنا بهذا، فكل شيء -عدا المصائب!- يبدأ صغيراً ثم يكبر وينمو، وحين يبدأ المستوى بالتقهقر، والجودة بالهبوط، يكون ذلك مؤشرا إلى قرب النهاية، وشيخوخة الروح، ونضوب الطاقة!! ولذا فإن من الجيد أن يبدأ المرء صغيراً، ثم يكبر شيئا فشيئا، وباستمرار، من أن يبدأ كبيراً ثم يحاول العودة  إلى البيضة فلا يستطيع!

- التعلم من  الأخطاء السابقة يعني أن العمل القادم سيكون أفضل. وهذا ما يعبر عنه أديسون بقوله: لست اشعر ببرود الهمة، لأن كل محاولة خاطئة أتخلى عنها هي خطوة تقودني إلى الأمام. والفشل نجاح إذا تعلمنا منه!

- النجاح كالحليب الطازج: مفيد، ومقوٍّ للعظام والأسنان، لكنه قصير الصلاحية! ولذا تحتاج كل يوم إلى حليب جديد/ نجاح جديد!! والتألق عبارة عن تراكم واستمرار النجاحات. المدونة المتألقة هي المدونة التي تحفل بمقالات جيدة تضاف إليها كل حين. وكذلك العالم المتألق، هو ذلك العالم الذي يضيف إلى معارفه كل يوم شيئا جديدا..

- النجاح عبارة عن مبنى، أساسه هو أضعف ما فيه! والطابق الأعلى هو الأمتن والأقوى. المقال الذي يقبل من الصحفي المبتدئ لا يقبل منه بعد عام من ممارسة الكتابة، والأغنية التي يقدمها الفنان المحترف بعد خمس سنوات من الاحتراف؛ لا بد أن تكون معايير قبولها أعلى وأرقى من سابقاتها، والبرنامج التلفزيوني الرمضاني لا بد أن يكون في كل دورة أفضل منه في الدورة السابقة! لأن الناس يتوقعون منك الأفضل دائما، ويعتبرون العمل الأقل جودة لوناً راقياً من الفشل!!

أرجو أن أكون أضفت شيئا مفيداً.. دوموا متألقين..


يسحرني الهدوء

الخميس, 1 يوليو, 2010

الهدوء.. يا له من وصفٍ ساحرٍ جدا لي، إنه يعني في نظري الثقة والحكمة، والرسو والصمود، والقوة والامتلاء.
صفة الهدوء تسحرني جداً.. في الماضي والحاضر، في قراءة سير القدماء، وفي معاشرة المعاصرين. ورد في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان طويل الصمت، دائم الفكرة، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء.
يسحرني موقف موسى عليه السلام، حين حصره البحر من أمامه، والجيش الفرعوني من خلفه، وقال له قومه في رعب (إنا لمدركون) فقال: (كلا إن معي ربي،سيهدين)..
يتخيل لي موسى عليه السلام، هادئاً، منبسط الأسارير،  لا تبدو على وجهه ذرة خوف!
شيء ساحر حقاً..
ويسحرني موقف الصديق رضي الله عنه حين وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أتخيل الصديق يمشي بكل هدوء، بين جموع الصحابة الذاهلين، ويرقى المنبر والفاروق عليه يهذي من هول الفاجعة، فيقول الصديق في هدوء مهيب: “من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”
ويسحرني موقف عثمان رضي الله عنه، حين اقتحم عليه القتلة داره، فأخذ مصحفه، وافتتحه يقرأ فيه، دون أن يرتعد أو تطرف عيناه..
ويسحرني موقف السلطان عبدالحميد  الثاني، حين بلّغه وفد مجلس المبعوثان بقرار خلعه عن الخلافة، فقال في هدوء: (ذلك تقدير العزيز العليم).
سحرت كثيراً وأنا أقرأ في سيرة السلطان عبدالحميد الثاني رحمه الله، أنه كان هادئاً وقوراً، قليل الكلام، كثير الصمت، خفيت الصوت!
ولا تزال سمة الهدوء سمة تجذبني في الناس، ولا يزال الهادئون يحتلون من قلبي مكاناً علياً.
الشيخ العلامة: حمزة الفعر، والمفكر الأديب: عبدالكريم بكار، والشيخ السلفي/الإخواني: حازم أبو إسماعيل، والعالِم العميق: خالد السبت، والأستاذ الفاضل: حسن الفيلالي، وغيرهم.. يحتلون في القلب مكاناً مكيناً، ضاعفه الهدوء الذين يشتركون فيه، الهدوء الفطري، الذي يجعل المرء يبدو أكثر علماً، وأكثر حنكة ورسوخاً.
ولي أصدقاء يسحرني فيهم الهدوء:  كإسماعيل الميمني “عهدته هادئاً ولا أدري ما فعلت به الأيام”، وصهيب عسيلان، وعبدالرحمن عرفة “هادئ رغم أنه يبدو شريراً أحيانا”، وعبدالله الحمدان، و الثلاثي الحضرمي: عبدالعزيز باشراحيل، وعمر باخشب، ومحمد باحمدين، وأحمد جمبي، ذو الهدوء المثير والابتسامة الغامضة..
والقائمة تطول..
لا أدري على وجه التحديد ما سر إعجابي بالهدوء؟! يقولون إن الإنسان يحب الصفات التي يقدرها ولا يمتلكها، ولكني أمتلك قدراً جيداً من الهدوء بفضل الله، صحيح أنه هدوء خارجي فقط، أما من الداخل فثمة عواصف دائمة، وأعاصير لا تتوقف، وصخب يصم الأذن!
في هدوء الليل.. يطيب لي أن أجلس لأقرأ، وأكتب، كما أنا الآن.. لا صوت غير صوت جهاز التكييف، لا أحد هنا.. هدوء تام.
الهدوء مهد القوة كما يقول جي هولاند، وكسرة من الخبز تأكلها في هدوء خير من وليمة تحضرها وأنت قلق، كما يقول أيسوب.
أما الطريق إلى الهدوء.. فهو طريق طويل، يبدأ من الذهن، وينتهي بالجوارح!
الطريق للهدوء: بساطة ووضوح:
الهدوء الحقيقي هو الذي يغمر الظاهر نتيجة لاستقرار الأعماق. ولذا تستطيع بسهولة أن تلاحظ الشخص القلق، والمتوتر، والخائف، والمستعجل، والأحمق! من حركاتهم والتفاتاتهم ونظرات عيونهم.
العقل المنظم، هو الهادئ حقاً، العقل الذي لا ينتظر المفاجآت، ولا يتلهف كثيراًعلى ما فات، ولا يخاف كثيراً من المجهول.. هو العقل الهادئ حقاً، ولذا قالوا: إن طمأنينة الذهن لا تتم إلا مع التسليم  بأسوأ الاحتمالات!
قبل فترة، كنت أقود سيارتي إلى مكان بعيد، وكان ذلك للمرة الأولى، كنتُ قلقاً، ومع القلق.. شعرت بطول الطريق، وأحسست بكثير من التوتر، خوف أن أضل الطريق، أو يفوتني المخرج..
في المرة التالية، لم أشعر بتوتر، وكنت أقود السيارة بطمأنينة وهدوء، ذلك لأني أعرف الهدف، وأعرف كيف أصل إليه!
هل وصلت الرسالة؟
إن الشخص الذي يعرف لماذا يعيش، ويعرف أهدافه الكبرى، ويعرف كيف يصل إليها، سيكون منظم العقل، وسيكون بالضرورة على قدر كبير من الهدوء!
الإنجاز والعمل:
الهدوء نتيجة أكيدة للثقة بالذات، والثقة بالذات نتيجة حتمية للقوة، والقوة التي تؤدي إلى الثقة: هي القوة التي تستغل في الإنجاز المستمر، والعمل الدائم.
إن طمأنينة العقل من قلق الفراغ والشعور بالتفاهة لا تتم إلا مع مباشرة العمل، فالعمل هو العلاج الأفضل للوساوس والخواطر الغبية، وفي الحركة بركة! ولذا قال شوبنهاور: إن من الصعب أن يبقى المرء هادئاً إن لم يكن لديه ما يفعله! وقال الأقدمون: عقل الكسلان بيت الشيطان!
إعدام المثيرات:
ماء موضوع في وعاء، حين يهتز الوعاء يضطرب الماء في داخله. هذا هو الهدوء باختصار، وأعداء الهدوء: كل ما يثير ويحرّك القلب إثارة خارج النطاق الأدنى.
أن تشاهد مباراة كروية دون أن يخفق قلبك في عنف، هذا تمرين جيد على الهدوء.
أن تواجه الاستفزازات دون أن يطرف جفنك أو تنتفج أوداجك.هذا تمرين آخر.
أن تتلقى الأخبار السيئة بشيء أشبه باللامبالاة! هذا تمرين آخر على الهدوء.
ألا تفرح كثيرا بما أوتيت، ولا تأسى كثيرا على ما فات، هذا تمرين رابع.
لا تلق دهرك إلا غير مكترث
ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يديم سرور  ما سررت به
ولا يرد عليك الفائت الحزن
وأصدق من ذا.. قوله تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور)
الشجاعة والثقة:

الشجاعة التي أعنيها لا تعني التخليعن الخوف، فالخوف شعور طبيعي لا تعد السلامة منه منقبة ولا محمدة، ولكن الشجاعة التي أقصد، هي قتل الخوف من أشياء بعينها، هي التي تدفع للتوتر، وتذبح الهدوء على عتبته:
وأول ألوان الخوف وأخطرها: الخوف من الخطأ!
إن الذي لا يخطئ أبداً هو الذي لا يعمل أبداً، وعلى المرء لكي ينجز، أن يتقبل فكرة الخطأ، وألا يخاف من الهفوات والزلات، فهو بشر، لا بد له من الخطأ مهما كان الأمر!
وللكاتب النيوزلندي “مكينتر” مقولة رائعة مفادها أن الثقة بالنفس لا تأتي من كون الإنسان على صواب دائما، بل من عدم خوفه من الخطأ.
هذه معالم في الطريق إلى الهدوء. هذا القانون الرائع من قوانين الجودة الشخصية.

اسجن نفسك (1)

الأحد, 23 مايو, 2010

ما هو السجن؟؟ سؤال سخيف حقا، لكني أحاول أن أجيب عنه أولا، ثم أعرف مزاياه وفوائده ثانيا، وأعرف مآسيه وضريبته ثالثا، ثم أسعى إلى تقديم وصفة لسجن اختياري يحصل المرء فيه على مزايا السجن دون عيوبه.

هذه هي الفكرة أولا.

ما هو السجن؟

السجن كما في ويكيبيديا هو: “المكان الذي تتم فيه سلب حرية الإنسان. وهو مكان معد ليكون صالحا لحبس شخص أو أكثر ويكون إعداده بوضع الأسوار والقضبان الحديدية وتعيين الحراسة اللازمة لمنع المسجون من الفرار. وبعبارة أخرى يتم وضع كل الوسائل الممكنة لمنع الشخص من الخروج من المكان المحبوس فيه وتحت سيطرة كاملة لحراس السجن.”

وتفكيكنا لهذا التعريف يعني أن السجن يحتوي العناصر التالية:

- سلب حرية المرء لوقت معين بناء على قرار.

- وحبسه في مكان محدد.

- ووضع قيود وضمانات تضمن عدم خروجه من محبسه.

وهذه الأوصاف تصدق على أماكن كثيرة غير السجن، فالمدرسة سجن، والدوام الوظيفي سجن، وكذلك التنويم في المستشفى، والعيش  في المنزل “في حالات معينة!” أمور كثيرة يصدق عليها وصف السجن، رغم أنها ليس فيها أغلال ولا سلاسل ولا زنازين، ورغم أن المرء يسعى إليها أحيانا ويجد فيها الأمان..

تعددت الأغلال.. والسجن واحد:

كما أن القرار بتقييد حرية إنسان ما، قرار لا يقتصر على القاضي، فأكبر وأصعب الأحكام بالسجن؛ لا تطلق في أروقة المحاكم، بل في أغوار النفوس!! وكثير من أحكام السجن لا يطلقه القضاة، بل يطلقه المرء على  نفسه، ويطلقه الوالد على أولاده، والعكس كذلك، وما أكثر القضاة الذين تخولهم الصلاحيات حق الحكم بالسجن، الطبيب قد يحكم على مريض ما بالسجن لأيام أو أسابيع في المستشفى، وقد يقيد حريته في تناول ما شاء من الطعام، والمدير قد يحكم على مرؤوسه بالسجن لساعات إضافية، بل إن الموظف ليحكم على نفسه بالسجن بمجرد قبوله الوظيفة أو سعيه -ياللعجب- إلى قبولها!! والمثل الشعبي يقول إن البس يحب خناقه!

إن الحرية -كما يقول أحدهم- تباع، وتؤجر، وتوهب!!

والسجن ليس دائما عقوبة! فحقيقة السجن: تقييد الحرية، والحرية في حقيقتها هي القدرة على الاختيار.

ولكي نثبت أن السجن ليس عقوبة دائما، يجب علينا أن نقرر أن القدرة على الاختيار ليست دائما نعمة.. ولهذا حديث طويل آخر (في مقال: أين نتعشى؟؟) بيد أن من الجيد أن نشير إلى أن الحرية المطلقة غير موجودة أبدا في أي مكان، فثمة قيود تكبح جماحها.. من الدين والعرف والقيم والظروف المحيطة..

ومن الجيد أن ندرك أن القدرة على الاختيار، كما أنها باعث من بواعث السعادة والشعور بالوفرة، إلا أنها باعث من بواعث الحيرة وتشتيت التفكير.. وهي مكسب له ضرائب متعددة منها أن على المرء أن يقوي قدرته على التحكم في الذات وعدم الاسترسال في الرغبات، والقدرة على تأجيل الملاذ والمشتهيات، كما يرفع المرء يده عن الطعام المشتهَى خوفا من السمنة، وكما يفعل الراعي حين يصرف الإبل عن شرب الكثير من الماء..

كما تعني الحرية أن على المرء أن يقبل بشيء من  التشتت وتضييع الوقت في الاختيار بين أشياء متعددة لا جدوى من المفاضلة بينها أحيانا..

أي: أن غياب البدائل يركز التفكير، كما يقول كيسنجر، وهذا ما عناه ابن الخياط بقوله:

وأيسر ما كابدته النفوس      من الأمر: ما لم تجد منه بُدّا !!

لماذا أسجن نفسي؟

سؤال منطقي، جوابه: أن العاقل يفعل كثيرا مما يزعجه لأنه ينفعه، كما يقبل المرء على العمل الشاق بنفس مفتوحة من أجل الحصول على المال، وكما ينكب الطالب على مذكراته وكتبه دارسا من أجل التفوق الدراسي.. و:

رب أمر سر آخره     بعد ما ساءت أوائله

ليس كل ما يسر المرء ينفعه، وليس كل ما ينفعه يسره، هذا أمر يتفق عليه العقلاء من الناس نظريا وتطبيقيا.

وثمة أمر آخر.. هو أن ما هو آت آت.. فما دام المرء مسجونا لا محالة، فليكن ذلك بيده لا بيد عمرو!! إن المرء لا يخلو من حالين: أن يكون له هدف يحبس نفسه من أجله، أو يكون وسيلة توصل الآخرين إلى أهدافهم! وما دام هذا هو الواقع؛ فإن على المرء أن يختار بين أمرين أحلاهما مر.. أن يكون سجين نفسه، أو يكون سجين الآخرين..

وفي الحديث القدسي “لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين..”

ولهذا صلة بقول أحدهم: أتعس الناس من باع دينه بدنيا غيره!!

انتماء الإنسان إلى شيء ما.. يعني أن يعلق المرء رقبته به، وهذا هو سر ربط كثير من الناس رقابهم بأرجل غيرهم، من خلال الانغماس في التشجيع الكروي، الذي يعد إشباعا لحاجة أساسية من حاجات الإنسان هي الحاجة إلى الانتماء..

هل استطعت أن أقنع القارئ بأن من الطبيعي جدا أن يصدر المرء عل نفسه حكما بالسجن؟؟ لست أدري..

بعدما حاولت أن أقترب من “ماذا” و”لماذا” بإجابة أنا أول من يعترف أنها ناقصة، لا تعدو كونها ملاحظات عابرة، سأحاول أن أجيب على “كيف”، في الجزء الثاني من هذا المقال..

نلتقي على خير..


من قوانين الجودة: سر التألق الدائم

الجمعة, 30 أبريل, 2010

ذهب أحدهم إلى الإمام أحمد بن حنبل زائرا، وجلس عنده ما شاء الله له أن يجلس، ثم عاد إلى منزله، وما إن أغلق الباب حتى جاوبه الباب بطرقات تنبئ عن زائر قادم.

فتح الباب، فرأى الإمام أحمد، الذي حياه وقال له: جئتك زائرا.

استغرب الرجل، وقال: سبحان الله، ألم أكن عندك قبل دقائق؟

قال الإمام أحمد: بلى، ولكني كنت قد نويت أن أزورك قبل ان تزروني، ولا أحب أن أعود نفسي أن أنوي شيئا ثم لا أفعله.

وثمة موقف مشابه آخر.. للإمام أحمد أيضا..

ففي موسم الحج.. قابل الإمام أحمد.. محدث اليمن، عبدالرزاق الصنعاني، في مكة المكرمة, ونسق أحدهم لجلسة تجمع الإمامين، ولما انتهى الحج.. وعاد عبدالرزاق إلى اليمن؛ إذا أحمد يلحقه في اليمن، ويقول: إني نويت أن أزوره قبل أن أراه في الحج، ولا أعزم على شيء فأنقضه!

ربما تقول: ماذا كسب الإمام أحمد من هذه السفرة الطويلة، من بغداد إلى صنعاء، مشيا على الأقدام؟ ألم يكن يستطيع أن يجلس في مكة مع عبدالرزاق جلسات مكثفة يتلقى فيها الحديث عنه؟

بلى، إنه بالمقياس المادي المجرد لم يكسب شيئا، لكنه بالمقياس المعنوي كسب شيئا عظيما.. كسب الروح التي تدفعه للارتقاء الدائم، قد يكون خسر المعركة، لكنه ربح الحرب بالتأكيد.

الحزم مع النفس.. هو سر الارتقاء الدائم، والتألق المستمر، والتحسن المستدام.

هذه السياسة الحازمة مع النفس هي التي جعلت إبراهيم الحربي يقول: صحبت الإمام أحمد عشرين سنة، فلم ألقه في يوم إلا كان زائدا عنه بالأمس!

هذه التدوينة واحدة من نبضات تدوينة “دعوة إلى الجودة” لأننا كشفنا فيها عن سمة من سمات الإمام أحمد، وهي: التطور المستمر، والتألق الدائم، وهذان من سمات الجودة حسب معايير منظري إدارة الجودة الشاملة.

عائق حقيقي:

وقد يكون من السهل أن نتحدث عن تطور مستمر في أداء مصنع او آلة، لكن من الصعب جدا أن نتحدث عن تطور مستمر وصعود دائم في حياة الإنسان، لأن الإنسان -بطبيعته التي خلقه الله عليها- يتفاوت بين شرة وفترة، ونشاط وخمول، وحماس وفتور..

وسر الاحتفاظ بالتألق الدائم يعني تجاوز أكبر قدر ممكن من هذه العوائق، وتحجيم أثرها -لا إالغاءَها تماما-، فقد كان الفتور يصيب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا، وهو القمة في التقوى والخشية..

وللوصول إلى التألق الدائم، هذه ثلاث نصائح أرى أنها مفيدة جدا، في هذا الصدد:

1. اعرف نفسك:

حتى تستفيد من حاسوبك المحمول أقصى فائدة ممكنة؛ عليك ان تتعرف عليه أولا، على مميزاته، ونقاط قوته.. وهل تحتمل طاقته أن تثبت عليه برامج ثقيلة كبرامج المونتاج التلفزيوني ونحوها أم لا.. اصنع هذا مع نفسك، تعرف على ميولها، ونقاط قوتها وضعفها، ومتى تكون في أوج نشاطها، ولماذا؟ وما هي الأجواء الأنسب لها حتى تعمل بأقصى ما يمكن.. إلخ.. أسئلة كثيرة لعلي أرد لها تدوينة فيما بعد..

على قدر معرفتك بنفسك.. يكون نجاحك في الخطوة التالية المهمة: وهي:

2. ركز على نقاط قوتك واستثمرها:

الإمام أحمد -الذي ابتدأنا المقال بذكره- عرف نقطة قوته، وهي: الحفظ الخارق، فاتجه إلى الحديث الشريف الذي يتطلب قدرة غير عادية على حفظ آلاف الأحاديث، وعشرات الآلاف من الرجالن ومئات الآلاف من الأسانيد والطرق، وكان له ما أراد.

3. ارفع الحد الأدنى بشكل مستمر:

الحد الأدنى من الإنجاز هو : أقل قدر يمكن أن تمارسه من نشاط معين.

ورفع هذا الحد الأدنى من أهم عوامل الجودة الذاتية، فما دام المرء لا بد له من النزول، فلا يكن نزوله إلى القاع، بل إلى ما هو أعلى منه، وما دام المرء لا بد له أن ينام؛ فليكن خفف النوم!

بالمثال يتضح المقال: لو كان الحد الأدنى للقراءة: نصف ساعة يوميا، فإن عليك أن ترفعه إلى 35 دقيقة، ثم إلى 40 دقيقة، ثم إلى ساعة في اليوم، بشكل متدرج ودائم.

ولو كان الحد الأدنى من الصلوات عندك هو: اداء الصلوات الخمس، فارفع الحد الأدنى قليلا وأضف إليها السنة الراتبة قبل صلاة الفجر، ثم الوتر، وهكذا..

4. ارفع الحد الأقصى للإنجاز:

ما هي الآفاق التي لم تصلها أبدا في إنجازك؟ حاول أن تتفوق على نفسك ولو لمرة واحدة. وتيرة حياتك عبارة عن طيارة يقودها طيار آلي، يطير بالطائرة في ارتفاع محدد، مهمتك أن تقاوم الطيار الآلي، وترتفع بالطائرة إلى ارتفاعات أعلى من المعتاد، لا يهم أن يكون ذلك لوقت قصير، فثمة فرص قادمة، المهم هو كسر الحاجز النفسي الذي يمنعك من الصعود إلى قمة أعلى  مما اعتدت عليه.

فيما بعد اصعد، بشكل تدريجي، وارفع الحد الأعلى بشكل ممنهج..

5. اعمل بآلية وتغلب على رغبات نفسك، وقد وضحت هذا بشكل أوضح في مقالة أخرى، فارجع إليها.

وهذه الآلية.. هي التي اعتمدها الإمام الطبري الذي مكث أرعين سنة، يكتب في كل يوم 40 ورقة، والإمام الباقلاني الذي كان لا ينام حتى يكتب خمسا وثلاثين ورقة!

وإلى لقاء.. مع الجودة..


دعوة إلى الجودة

الأحد, 25 أبريل, 2010

صلى الإمام ابن أبي حاتم الرازي بالناس ذات يوم، فأطال الصلاة، فلما سلم قال له أحد المصلين: لقد أطلت، حتى إني سبحت في سجودي سبعين مرة؛ فقال ابن أبي حاتم: لكني والله ما سبّحت إلا ثلاثا!!

هكذا هو الأمر إذن! إنها الجودة، لا تجتمع عادة مع الكثرة..

القراءة الخاشعة.. تعني قراءة بطيئة..

والصلاة الخاشعة.. تعني ركعات أقل، في وقت أطول..

والوقت الذي يكفي لسبعين تسبيحة عادية، لا يكفي لأكثر من ثلاث تسبيحات عميقة!

المبلغ الذي يكفي لعشرة ثياب عادية.. يكفي لثوب فاخر واحد..

والنوم في فندق “سبع نجوم” يكلف مالا يكفي للمبيت في “موتيل” بسيط لعشرين يوما..

والأمر أوسع..

الوقت الذي يكفي لإنضاج مثقف حقيقي، وعالم حقيقي، يكفي عشره لإنتاج مثقف “فشنك” طبخ طبخا عاجلا بقدر الضغط!

الوقت الطويل.. والمال الكثير.. والعلم الغزير.. والعلاقات العميقة.. أمور نادرة، لأن الحصول عليها.. صعب جدا..

إلا في حالة واحدة!

هي: وجودك في خانة القوة..

ولكل إنسان خانة قوة معينة، هي موهبته وإمكاناته.

قال عليه الصلاة والسلام: صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل!

.. إن الجهد القليل من أبي طلحة يساوي جهود كثير من الناس..

وهذه هي الموهبة: أن يسهل عليك شيء ما، هو صعب على الآخرين، فابحث عن جيشك.. وكن أبا طلحة!!

لا تبحث عن الأرخص، واطلب الأجود!

لا تتمن الأسهل، تمنّ الأفضل!

لا تفعل الأحب إلى نفسك، افعل الأجمل والأروع!

أتقن، ولا ترض بشغل “أي كلام!” فإن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه!

اعمل بجد، اتعب، واجهد.. واعرق.. ولا تقنع بما دون النجوم..

كن الأجود.. واعلم أن الوصول للجودة.. يعني -ربما- أنك ستعمل أكثر..

وتتعب أكثر..

وتقضي وقتا أطول، في سبيل منتجات أقل عددا..

لكنْ.. عزاؤك.. هو أن منتجك سيكون الأطول عمرا.. لأنه هو الذي ينفع الناس، وما عداه.. مجرد زبد!! (فأما الزبد فيذهب جفاء.. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)

بعدما يمر الزمان.. سيبقى الأفضل فقط..

تلك الشجرة التي لم تنبت بسرعة؛ هي التي تصمد في وجه العاصفة!

ذلك الذي بنى نفسه عبر سنوات طوال من الأعمال الشاقة، من قراءة وبحث، ومدارسة ومثاقفة، هو الذي سيسطع نجمه!!

كانت أمي تقول لي: إن الغالي.. ثمنه في داخله!!

فرق.. بين الذهب و”الفالصو”.. كلاهما يمتلك نفس اللون، لكن الذهب هو الأغلى..

وهو الأفضل!!

وهو الذي سيعيش أطول.. ويحتفظ ببريقه.. رغم الظروف الصعبة..

أنت من تقرر.. أن تكون معدنا حقيقيا.. أو زائفا!!

أن تكون أصليا.. أو مغشوشا!!

إن أردت الأفضل، فالمثل اليمني يخبرك:

الحالي غالي!!

والمثل المصري ينبيك:

اللي عاوز الدحة، مايئولش أحّا!!

والمثل الحجازي يخبرك:

الرخيص نغيص!!

وفي النهاية.. يبقى القرار بيدك أنت

أن تكون جيدا أو عاديا، أن تكون درة أو زجاجة، أن تكون رجلا.. أو رجيلا!!

ألا هل بلغت؟؟

اللهم اشهد!!


لا تكن آخر من يعلم

الإثنين, 12 أبريل, 2010

ليست مشكلة في عصرنا هذا أن تكون آخر من يعلم، بموضة جديدة في اسكوتلندا، او نتائج مباراة في الدوري الأوروبي، او نزول طراز جديد من السيارات أو الحواسيب إلى الأسواق، ولكن ستكون كارثة عارمة؛ لو أن ثمة عادة قبيحة.. تنفر الناس منك وأنت لا تدري عنها!

.. قد تكون ثرثارا، وقد تكون أبخر، وقد تكون ألفاظك جارحة، أو يكون صوتك مرتفعا أكثر مما ينبغي، وقد تكون من الذين يكثرون الحديث عن بطولاتهم، وقد تكون من المصابين بداء المبالغة والتهويل..

والناس يعلمون هذا، ويتجنبونك من أجله، وأنت لا تعلم!!

حاول أن تتعرف على سلبياتك لتتجنبها.. أو تحجّمها لم لم يكن بمقدورك إلغاؤها، وطريقك إلى هذا وسائل عديد.. أعرض عليك منها ثلاثة..

1. راقب سلوكك بدقة، وسجل الأشياء التي ترى ان الناس لا يتقبلونها منك، واعمل على التخلص مما يمكن التخلص مننه.

2. اسأل المقربين منك، أن يخبروك بلا مجاملة، عن سلبياتك ونواحي قصورك.

3. لاحظ: إذا انتقدك أحدهم، فخذ انتقاده هذا على أنه كلام يحتمل الصواب، وابحث بكل تجرد في نفسك عن مدى صوابية ما قاله من وجه لك النقد.

هذا تحد.. على المرء أن يواجهه لكي يظفر بواقع اجتماعي أفضل وأرقى..

مع ملاحظة أن الإنسان سيظل محتفظا بكم لا بأس به من العيوب حتى يغادر هذه الحياة، وملاحظة أن التخلص م العيوب المتجذرة في النفس أمر ليس سهلا، بل يحتاج إلى عزيمة وجلد واستعانة بالله سبحانه..

أسأل الله أن يبصرنا بعيوبنا..


لؤي في الماراثون

الخميس, 18 مارس, 2010

لؤي، زميل لي وصديق، أحمل له في قلبي كثيرا من المشاعر الدافقة، ويبادلني الشعور ذاته..

في العام الماضي.. قرأ لؤي إعلانا عن سباق رياضي طويل في مضمار طوله 12 كيلا (كيلو متر)، وقرر أن يدخل السباق.. وكان قراره هذا قبل موعد السباق بيومين فقط!

سارع لؤي إلى الجهة المنظمة للسباق، وسجل اسمه ضمن قائمة المنافسين.

وفي يوم السباق كان لؤي أحد الواقفين على خط البداية..

نظرت إليه نظرة إشفاق؛ فأنا أعرف أنه بعيد كل البعد عن الرياضة، وأنه إنسان مترف، ضعيف البنية، يذوب في الشمس كالكاكاو!!

بدأ السباق أكمل قراءة التدوينة »


لكي تستمر.. لا بد أن تبتكر (3)

الخميس, 18 مارس, 2010

كما أنه لا يحق للمرء أن يزعم أنه يستطيع أن يعيش دون أن يتنفس، لا يحق له أن يروم أنه سيعيش دون أن يبتكر ويجدد!!

يذكر كفاح فياض في كتابه “حكايات كفاح” نماذج مختلفة، منها: دومينيك ماكفي، الشاب البريطاني الثري، الذي سوق في لندن لعجلات السكوتر الأمريكية، وباع منها 11 مليون دراجة! كان مفتتنا بهذه اللعبة! ثم ملها وسئم! ولكن على الرغم من هذا السأم، ابتكر رؤية تجعل من هذه الدراجة وسيلة رائعة للتنقل في زحام لندن! وقام بتسويق دراجته على هذا الأساس، فأفلح!!

وفي النهاية.. وعلى الهامش أقول..

لقد لفتتني وأنا أطالع كتاب.. حكايات كفاح.. حقيقة مذهلة..

هي أن كثيرا من المبتكرين والمبدعين..لم يكملوا الدراسة، وبعضهم لم يدخلوا المدارس.. التي يعد كثير من الناس تركها نهاية العالم!!.. وعندما استعملوا هذه العبارة السحرية.. إذا أردت أن تعيش لا بد أن تبتكر!! نجحوا (دنيويا على الأقل) هل تريدون أمثلة؟؟

حسنا..
هل تعرفون شبكة سي إن إن الإخبارية؟؟

إن صاحبها ومالكها “تيد تيرنر” الذي بناها وبدأها من الصفر، غادر المدرسة وعمره 6 سنوات فقط!!

ولست أدري متى دخلها؟

والكولونيل ساندرز.. صاحب مطاعم كنتاكي الأول.. ترك المدرسة في سن السادسة أيضا!!

ادوين لاند، مخترع التصوير الفوري، والمبتكر الذي حول التصوير الفوتوغرافي من مهمة عسيرة إلى هواية سهلة..

هذا الرحل ترك الدراسة، وغادر الجامعة قبل أشهر بسيطة من تخرجه..

بيل جيتس، عميد الأثرياء العالميين، لم يعجبه تخصصه في جامعة هارفارد، فترك الدراسة وانصرف إلى شركته الوليدة “مايكروسوفت”

كاليب برادهام، مخترع “البيبسي!” كان ولدا مترفا وابنا لرجل أعمال ثري..

كان الولد طالبا بجامعة ميريلاند، وكان تخصصه الطب، وقبيل أن يتخرج أصابت والده نكبة رمته بالإفلاس، ونكبت تجارته؛ فاضطر الولد إلى ترك كلية الطب..

لكن ما هي إلا سنوات..ويصبح مشروبه “البيبسي” مثل المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس!!

آرثر جونز، صاحب شركة نوتيلوس الرياضية العملاقة، كان مهملا في الدراسة، ولم يشم رائحة المرحلة الثانوية..

سيكيرو هوندا..الذي ترك المدرسة منذ الصف الثامن “ثاني متوسط” كان فيما بعد هو المخترع والمبتكر والذي تحمل سيارات “هوندا” اسمه وبصمته!

كل هؤلاء، وغيرهم كثيرون جدا، كنيوتن مكتشف قانون الجاذبية، وأديسون مخترع المصباح، وأينشتاين صاحب نظريتي النسبية العامة والخاصة… إلى آخر ما قال الشاعر…!!لم ينجحوا في الدراسة.. لكنهم حققوا ما لم يحققه الكثير من الدارسين..

فهل هذا يعود إلى أنهم ابتكروا؟ أم يعود إلى أن المدارس بيئة تقتل الإبداع؟ أم إلى كلا السببين؟؟

الله أعلم..

وللصديق عبدالله الجمعة، كتاب رائع عنوانه: عظماء بلا مدارس، فارجع إليه.
لكن تظل الحقيقة الساطعة.. لكي تستمر.. لا بد أن تبتكر..


لكي تستمر.. لا بد أن تبتكر (2)

الخميس, 18 مارس, 2010

إذا واجهتك مشاكل من أي نوع، فأمامك خياران اثنان: أن تنسحب.. أو أن تبتكر حلا..

ولنطبق على هذه النظرية بعض الأمثلة من حياتنا..

إذا كنت طالبا..فلا بد لك من حفظ هذه العبارة كاسمك لأنك ستحتاجها كثيرا… إذا أردت أن تستمر.. لا بد أن تبتكر!!

أما إذا انسحبت من الدراسة، فلا بد لك من أن تأبق إلى فلك البطالة والجهل المشحون، وتكون في القمار من المدحضين، فيلتقمك حوت الفشل والإحباط والفراغ..أو ينجيك الله بأن تبتكر حلا آخر..

وهكذا يكون الحل دائما في الابتكار حتى تخرج من المشاكل التي تضع نفسك فيها..

مادة بغيضة؟؟

ابتكر حلا..أحب هذه المادة

أستاذ شرحه ممل؟

استغل وقتك أثناء المادة في شيء آخر..اكتب، اسرح ببالك بعيدا..

أحد أحبتي قرأ ربع “سير أعلام النبلاء في المحاضرات التي لا يروق له فيها شرح المدرس

مادة صعبة؟

ابتكر طريقة جديدة للمذاكرة.. حول المادة العسرة إلى ممتعة..

أستاذ سخيف؟ زملاء مزعجون؟ …. ابتكر

لا يوجد شيء عصي على أن تلتف حوله..

فصلت من المدرسة أو تركت الدراسة؟

ابتكر لنفسك مجالا جديدا تبدع فيه..

وهكذا الحال إذا كنت أستاذا.. أو فنانا.. أو داعية.. أو عالما..  أو قائدا عسكريا.. أو قاضيا..أو مربيا..أو حتى لصا..أو مهرب مخدرات..أو رجل مخابرات..

لا بد أن تواجهك مشاكل..ولا بد أن يأتيك يوم ترى أن ما أزمعت أن تفعله لن يجديك ولن يفيدك.. وعندها:

لا بد أن تنسحب أو تبتكر حلا..

إذا أردت أن تستمر.. لا بد أن تبتكر..

والتاريخ مليء بهذه النماذج..

ذو القرنين..كيف استطاع أن يصد زحف يأجوج ومأجوج عن القوم الذين بين السدين؟؟
بابتكار جديد..

هو السد المشيد من الحديد والقطر المصهور..

سور أملس لا يحفر ولا يمكن تسلقه..

في معركة القادسية..التي وقعت بين المسلمين والفرس..استعمل المجوس سلاحا جديدا.. هو سلاح الفيلة..

وحين رأت خيول المسلمين تلك الحيوانات الضخمة الغريبة عليها اضطربت وأصابها الرعب، فهربت..

وهنا كانت تلك القاعدة السحرية موجودة في ذهن القعقاع بن عمرو رضي الله عنه..

إذا أردت أن تستمر.. لا بد أن تبتكر!!

وابتكر القعقاع وسيلة جديدة وعجيبة!! فقد أحضر بعض الجمال، وركّب على ظهورها أعمدة مثبتة بطريقة ما..وغطاها بأقمشة مزركشة، وصنع لها وجوها مرعبة مرسومة على القماش، فأصبح لديه مخلوقات عجيبة..

وفي اليوم التالي.. أطلقت الكائنات الصناعية، ورأتها خيول الفرس..فاضطربت وهربت بفرسانها..

وفي فتح القسطنطينية أدرك البيزنطيون أنهم إذا أرادوا أن تعيش مدينتهم بعيدا عن الحصار البحري، فلا بد أن يبتكروا وسيلة تمنع السفن الإسلامية من عبور المضيق والاقتراب من المدينة.

وكانت فكرة عبقرية فعلا، فكرة السلسلة التي وضعوها حاجزا على المضيق..يرخون السلسلة فتتمكن السفن من عبور المضيق، ويشدنها إلى مستوى سطح البحر فيستحيل على السفن أن تدخل المضيق..

ولكن السلطان الفاتح لم يكن غرا.. لقد كان يدرك أنه لكي ينجح في الصول بالسفن إلى المضيق لا بد أن يبتكر شيئا ما!! فابتكر حركة جعلت من السلسلة لعبة أطفال!! ونقل السفن إلى المضيق عبر البر..

وهكذا هي القذائف المضادة للدبابات، والصواريخ المضادة للطائرات.. كلها ابتكارات.. من أجل العيش بعيدا عن السيطرة المطلقة للطائرات والدبابات..

نفس حكاية الفيلة.. لكن بأسلوب عصري..

والمدهش أن هذه القاعدة تسري لدى الجميع..حتى الأشرار..

اللصوص يبتكرون الجديد من الحيل حتى يستمروا وتعيش صنعتهم.. وخبراء السلامة يبتكرون المزيد من الوسائل الكاشفة عن محاولات السرقة..

الفئران..تبذل المزيد من الابتكارات المثيرة للغيظ حتى تصل إلى قطعة الجبن..

المزورون..لكي تعيش مهنتهم..يبتكرون المزيد من الوسائل التمويهية..

وفي الجانب الآخر..هناك رجال يبتكرون المزيد لكشف كل تزوير..وبين الحين والحين يطرحون إلى التداول ورقات نقدية جديدة يتوهمونها عصية على التزوير..

لكن المزورين يبذلون المزيد لابتكار وسيلة ما تساعدهم على التزوير..

الهاكرز.. يبتكرون المزيد من الطرق لاختراق المواقع، والقفز على جدران النار..وفي الجانب الآخر..هناك خبراء يبتكرون المزيد من نظم الحماية..

… ولنا لقاء


لكي تستمر.. لا بد أن تبتكر! (1)

الخميس, 18 مارس, 2010

لنبدأ بذكر الحكاية التي أنجبت هذا القانون: “لكي تستمر لا بد أن تبتكر باستمرار” كما يرويها الدكتور كفاح فياض في “حكايات كفاح”، باختصار: حيث يحكي عن بداية مشروع شركة فريدال اكسبرس قائلا:
من المفارقات أن سميث لم يبدأ المشروع بتقديم خدمة البريد السريع لعامة الناس والشركات، لكن المشروع بدأ عندما فكر بإنشاء شركة لنقل النقد الاحتياطي الفيدرالي من منطقة إلى أخرى، مما يوفر على الحكومة 3 ملايين دولار، العقد الذي ناقشه سميث مع السلطات الفيدرالية لم يتحقق لأن المفاوضات فشلت. أكمل قراءة التدوينة »










الوسوم


حرف عطف مدعوم بواسطة ووردبريس القالب بواسطة solucija تنفيذ ستوديو - ستايل.