إرشيف القسم : ثرثرة
أهنئكم باقتراب العشر الأواخر من رمضان، أفضل ليالي العام على الإطلاق، والتي تضم ليلة هي “خير من ألف شهر”، وأسأل الله سبحانه أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.
وأفيدكم بأن المدونة ستأخذ إجازة، نظراً لانشغالاتي المتكاثفة في هذه الأيام، وسوف يتجدد اللقاء إن شاء الله بعد انقضاء الشهر الفضيل، وبعد أن يخف زحام العيد وارتباطاته الاجتماعية المتعاقبة.
وسيكون العود بإذن الله مختلفاً، والاهتمام بالمدونة أفضل وأكثر، والجهد المبذول لها أكبر.
والله المعين والميسر..
وإلى لقاء.. بعد عيد الفطر المبارك..
يقبل عليك شهر رمضان، فتمني النفس وتعدها بأن يكون هذا الرمضان أفضل مما سبقه من رمضاات، ووتعقد العزم على أن تقرأ القرآن الكريم، وتختمه عدة مرات، وتتصدق، وتقوم الشهر كله، وتعتمر وتفعل..
وقد تخط خطة رائعة، وتبدأ تنفيذها ثم لا تستمر، أو تخطط ثم تسوف في البدء.. سيان!
يقع لنا هذا، ولا بد له من سبب، وإذا عرف السبب بطل العجب، والسؤال الحقيقي هو: يا ترى.. ما هو سبب هذه الظاهرة المتكررة؟
لماذا ينطفئ “الحماس” للعبادة أو تخفت ناره؟
وكيف نشعل تلك النار من جديد، ونعود إلى مضمار السباق الرمضاني أقوى عزيمة وأرفع همة؟
وما العمل إذا عادت النار فانطفأت من جديد؟
* لماذا تنطفئ نار الحماس للعبادة؟
الإجابة على هذا السؤال يجب أن تنطلق من داخل كل واحد منا، ولكن. للتقريب، هناك أسباب قد تكون محتملة:
- ربما نحن نقضي فترة من العقوبة في سجن الخذلان بسبب “سوابق” من الذنوب المتراكمة، أو بسبب غفلتنا عن شكر الله على نعمه التي أغدقها علينا.
- ربما غاب عن أذهاننا أن الحماس الذي نشعر به للطاعة في بداية شهر رمضان إنما هو نعمة من الله، هو وحده القادر على أن يمنحها أو يمنعها: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) وربما لم نحمد الله ونشكره على هذه النعمة فسلبها الله..
- ربما بدأنا بداية غير مثالية: قد يتحمس بعضنا في التخطيط ويبتعد عن واقعه المعاش وقدرات نفسه الحقيقية، ثم يتفاجأ وقت التنفيذ بأن الخارطة شيء مختلف كثيراً عن الواقع.
- ربما أقبل علينا رمضان ونحن في مرحلة من الفتور والنعاس الإيماني، ولم نحاول أن نوقظ أنفسنا بطريقة صحيحة.
- ربما دخلنا “الماراثون” الرمضاني بلا تسخين ولا استعداد.. فأصيبت عضلاتنا الإيمانية بالإجهاد المبكر بعد عشر ليال أو قبلها..
- ربما اهتممنا بقشور العبادات دون لبابها، فصمنا دون استشعار معاني التقوى، وصلينا التراويح دون أن نتدبر الآيات التي نسمعها…
وهناك أسباب أخرى كثيرة..
* كيف نشعل النار من جديد؟
- بمحاولة تلمس أسباب النكوص والانطفاء ومعرفتها، ثم بالعمل على ما يضادها. فإذا كنا نظن أن الذنوب هي سبب حرماننا من حماسة الطاعة؛ فعلينا أن نبتعد عنها عن كل ما يقربنا إليها. وإذا كان السبب الذي نعتقده هو عدم ممارستنا للعبادة بشكل صحيح وعميق؛ فإن علينا أن نخصص وقتاً في كل يوم للتأمل في روح الصيام ومعانيه.
- الدعاء: علينا أن ندعو الله ونبتهل إليه في أوقات إجابة الدعاء، كآخر الليل، وقبل الإفطار، وبين الأذان والإقامة، ووقت السجود، أن يوفقنا لنيل بركة هذا الشهر.
- استجلاب الرضى: رضى الخالق سبحانه وتعالى يستجلب ببعض الأعمال، كحمده على نعمه مهما صغرت، وإتقان أعمالنا كلها، وصدقة السر، والصلاة الخاشعة في جوف الليل، وكذلك باستشعار الرضى عن الله، لعله سبحانه أن يرضى عنا.
- ضع مع الدواء قليلا من السكر: لنحاول أن نجعل من عباداتنا محفزات لنا على مواصلتها، فصلاة التراويح ستبدو أجمل وأخف على النفس لو صليناها خلف إمام صوته حسن، وقراءة القرآن ستبدو أسهل على النفس لو قسمناها إلى جرعات خفيفة “4 صفحات كل ساعتين مثلا..”
* هل اشتعلت النار؟ وهل دبّ الحماس الإيماني في قلبك بعد اتخاذ هذه الخطوات؟
إن كان الجواب “نعم” فمبارك عليك، ورحلة إيمانية سعيدة، وتذكر: (لئن شكرتم لأزيدنكم)
وإن كان الجواب “لا”، فمبارك عليك شرف المحاولة، واستمر في المحاولة.. وأكثر من الاستغفار والدعاء.. وتذكر: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
و:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته *** ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أهلاً بكم، بعد انقطاعٍ لأسبوع فرضه السفر الذي لم أتمكن أثناءه من الدخول إلى الإنترنت.
وضيفي هنا -للمرة الثانية- هو الصديق المدون: عبيدة غضبان، الذي أتحفني بإسال هذه التدوينة، والتي نشرها أيضاً في مدونته “طل”

لطالما قرأت سورة النحل , ولطالما شعرت بعدم الترابط بين آياتها , لكنني اكتشفت اليوم خطأي ,
كل سورة في القرآن في مكانها , وكل آية في السورة في مكانها , وكل كلمة في الآية في مكانها , وكل حرف في الآية في مكانه ,
قرآن الله , الكمال المطلق , !
لعل الآية الجوهرية في شخصية السورة هي :
” وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها “
السورة مليئة بالنعم , بالنعم التي لا نحصيها ,
الجميل أن سياق الآية الجوهرية لا يأتي في البداية ثم يأتي بعده سرد النعم ,
كلّا , ترى الآية في منتصف النعم ,
عندما تبدأ القراءة تحاول أن تحصي النعم , ثم تأتيك الآية لتطمئنك , لن تحصيها ,
ثم تستمر السورة ,
تنوعت آلاء الله المذكورة في السورة ,
دواب ونحل , أمطار ومزارع , زواج وأبناء , جبال وسرابيل ,
أنظر حولك في كل مكان , لتجد نعم الله , لتجدها في كل مكان ,
مهما كنت , فهذه الآيات لك ,
إن كنت تعقل فستراها , إن كنت تذكر , إن كنت تؤمن , وإن كنت تتفكر , إن كنت تسمع فقط , !
في نهايات بعض آيات النعم نرى بعض الرسائل التنبيهية :
” أفبنعمة الله يجحدون “ , ” أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون “
ثم تأتي الآية المنذرة التي تبين كل شيء :
” فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين , يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون “
إحذر , بعد كل النعم التي ذكرت ,
إحذر أن تجحد , إحذر أن تكفر , إحذر أن تعيش بين هذه النعم ثم تنكرها ,
كما أعطاك النعمة , يستطيع أن يحرمك إياها , فاشكرها حق شكرها ,
احذر أن لا تؤمن ولا تصدق بهذه الآيات :
” إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم “
أولئك هم الذين يفترون الكذب , وأولئك هم الخاسرون , وأولئك هم الغافلون , !
ما شدّني بالسورة ولم أستطع مقاومته , وتكرر أكثر من مرة :
لماذا أنزل القرآن ؟
” وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون “
” وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون “
” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين “
” قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين “
ترى هذه الآيات في كل مكان في السورة , في أي سياق ,
تجدها رسائل ملونة ,
لتذكرنا بأعظم النعم , بنعمة الهداية , بنعمة محمد صلى الله عليه وسلم , بنعمة الإسلام ,
هي هذه أعظم النعم ,
احمدوها , واشكروها , وأدوها حق أدائها ,
تنتهي السورة لتبين كيفية التعامل مع هذه النعم ,
لا تكونوا كالقرية , كفروا نعمة الله , فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يعملون
لا تكونوا كاليهود , ضيقوا فضيق الله عليهم , وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ,
وفي المقابل نرى الإنسان العظيم الذي شكر النعمة ,
نرى إبراهيم , كان أمّة , قانتا لله حنيفا , ما كان من المشركين ,
شكر نعمة الله , فاجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ,
وأوحينا إليك – وإلى من معك – يا محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ,
حقاً ,
لنكن كالنحل ,
لنشكر نعمة الله ,
لنأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى , لنكن على صراط مستقيم , لننفق مما رزقنا الله سرا وجهرا , لنوفي بعهد الله ,
علّنا نكون من المؤمنين ,
ويحيينا ربنا حياة طيبة ,
ونأخذ اجرنا يوم القيامة بأحسن ما كنا نعمل
: )
مساؤكم قرطبي ,
أهلاً وسهلاً بكم مجدداً..مع ومضات حرف عطف الرمضانية..
هذه الومضة، من الصديق: عبدالصمد بن غريب، جزاه الله خيرا..

رمضان ,, وتعرج إلى السماء الأرواح المؤمنة الطاهرة كلّ يوم!
فتشاء الأقدار الإلهية أن تنتشل الأموات من قبور الغفلة والحرمان ,, إلى رياض الخير والطّاعات.
رمضان ,, سواعدٌ تشمّر على موائد الذكر والرحمات
وأعين تدمع شوقاً إلى لقاء الملك العلّام
اللهَ ما أرقّ قلوب الصائمين وأجود أكُفّ المنفقين!
تسبح للإله الورود وتصوم الأنفس المؤمنة عن اللغو والعصيان.
رمضان ,,موسم صوم وعبادةٍ أظلنا, فلنتسابق إلى الجنة والنعيم
ها هو القرآن وروحه وحروفه وجماله وروعته، وها هي الصلوات والصدقات والدعوات، وها هي أبواب السماء والجنات,.. ذابت شوقاً إلى أكفنا الضارعة وأرواحنا وعيوننا الدامعة!
فمرحباً يارمضان عدت إلينا وعدنا إليك
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا
أهلا بكم..
مستمرون، مع هذه الومضات الرمضانية، التي أسأل الله أن يجعلها نورا لكاتبيها وقارئيها.
هذه الومضة، من الصديق المدون: عبيدة غضبان، من الأردن.. أشكره على مشاركته..

لن أتكلف الأدب , ولن أتحرى ما أكتب , ولن أراجعه ,
رمضان أكبر من كل هذا ,
سأكتب , سأكتب فقط , !
لا أعلم ماذا ستصنف , ذكريات , هلوسات , قصص , يوميات , ومضات ,
صنفوها كما تشاؤون ,
سأتأخر يوما , لأعلم قيمة التأخير ,
فقبل رمضان , قبل العمرة , كنت متأخرا عمراً ,
“الحجر”, ” في ظلال القرآن ” , صباح فريد , مسج , سمبوسة , خواطر , ” أحمد الشقيري ” , زيارة , آزاد , أحمد , حمزة , سفر , استقبال , أنوار , تراويح , إنشاد , فيس بوك , ” وردتان لعشرين سنة ” , شهد ,
يوم أمس دار بين هذه المصطلحات ,
كان يوما حافلا ,
وعدت نفسي بمشروعين في رمضان ,
بدأت بأحدهما جيداً , والثاني كنت مقصرا فيه ,
لكنني وعدت نفسي بالتعويض اليوم , وقد لا أفعل هذا ,
فقد علمني أحدهم يوما, أن تعويض الأمس يؤثر على عمل اليوم فيضيع كلاهما , !
على كلّ سأحاول , فنحن في رمضان ,
من أجمل ما لفت نظري بالأمس من كلمات , كلمة حمزة كاشغري ,
” الفسبكة قد تكون نورا “
كنت قد نويت ترك الفيس بوك في رمضان , من باب عدم إضاعة الوقت ,
لكن حمزة أقنعني نوعا ما , وسأحاول الاستفادة من هذا , وحاولوا أنتم
فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ,,
: )
صحيح ,
كدت أنسى ,,
نصحني أحدهم بالأمس ,
” رمضان شهر للقرآن , للقرآن فقط , “
حتى الأناشيد , أجلوها لبعد رمضان ,, : )
وصدقوني , ستشعرون بفرق ,,
كان يمشي في ظلام الليل، في الجامع الأموي بدمشق، فإذا به يدعس رجلا نائما..
استيقظ الرجل من نومه حانقا، وقال له: أحمار أنت؟!
قال في بساطة: لا.
وليفترض أن الرجل قال له مباشرة: يا حمار!!
هل سيصير حمارا حقا؟ هل ستنبت له أذنان طويلتان؟! ويتحول صوته إلى نهيق؟!
كلا. إن العبرة بما في نفس الأمر..
قاعدة وعاها ذلك الرجل، إنه عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله ورضي عنه-.
كان عمر بن عبدالعزيز جالسا على كرسي الخلافة، فانطفأ السراج الذي يضيء المجلس، فنهض إليه عمر، وأصلحه حتى أضاء من جديد، ثم عاد إلى كرسيه.
قال الضيوف: كيف تقوم فتصلح السراج وأنت أنت؟ أليس ثمة خادم يكفيك هذا؟؟
فأجابهم: قمت وأنا عمر بن عبدالعزيز، وجلست وأنا عمر بن عبدالعزيز!!
كان عمر بن عبدالعزيز يدرك أن قدره لا ينقص حين يقوم بخدمة نفسه، وأن قدره لا يزيد حين يتكبر ويرتفع.
وكان عمر بن عبدالعزيز يعلم أن الشتم لا يضر، و”ألف سبة ما شقّت قميص”!
وما يضيره أن يقول له إنسان ما: إنك حمار، وهو يعلم أنه بشر سوي!!
ليقل فلان ما يقول، وليشتم بما شاء أن يشتم، وليصفني بما يشاء، فلن أتحول إلى كائن آخر لأنه زعم أني هو..
متى ندرك أن العبرة بما في نفس الأمر!! وأن “الشيء الطيب قيمته فيه”، ومتى ندرك:
أن الجواهر في التراب جواهر
والأسد في قفص الحديد أسود!
ومتى يرسخ في أذهاننا أن المظاهر البراقة لا تغير الحقائق الزائفة، وأن القشور اللامعة لا تقوى على تغطية اللباب الأغبر..
متى ندرك أن الثوب المقصب لا يشفي الجلد الأجرب، ومتى ندرك أن الديكور الخارجي لا يغني عن جهاز التكييف؟
متى ندرك أن العبرة بما في نفس الأمر، فنترك التشبع بما لم نعط، وندع ادعاء ما لا نملك، والتظاهر بمعرفة ما لا نعلم؟
متى ندرك أننا بشر، فتخلى عن تصنع الكمال المطلق، والعصمة التامة من كل خطل وزلل، ومن كل عيب ونقص!
اللحية لا تجعل من الفاجر تقيا لمجرد إعفائها، لأن العبرة بما في نفس الأمر، لا بما في ظن الناظر.
الخالق سبحانه ينظر إلى الحقائق لا المظاهر، ويجازي على النيات والسرائر.. ولذا يحذرنا نفسه، ويذكرنا بأنه يعلم ما نخفي في صدورنا وما نبدي!
البشت لا يجعلك عضو هيئة كبار العلماء، والقميص رقم 18 لا يجعلك محمد نور..
التقاطك صورة تذكارية أمام الرولزرايس لا يحول ملكيتها إليك، ودخول الهرم لا يجعلك فرعونا آخر…
لوك كلمات لا تدري معناها عن “النهضة” و”نقد الخطاب الديني” و”التسطيح” و”الدوغمائية” و”العقلانية” لا يجعلك مفكرا ولا فيلسوفا.. بل يجعلك شيئا آخر.. مسخا شائها بعين حولاء وأخرى طافية.. كالمسيح الدجال وأقبح!
أهلاً بكم من جديد، بعد انقطاع قصير..
حدث الكثير خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، لكني للأسف لا أجد في نفسي طاقة على كتابة مقالة على نسق المقالات السابقة المندرجة في سلسلة قوانين الجودة، لذا سأتحدث هنا عن أشياء جديدة حدثت معي خلال الفترة الماضية القصيرة..
* أول سفر إلى الخارج، وأول مشاركة في مؤتمر:

إحدى مداخلاتي في المؤتمر
لأول مرة أسافر إلى خارج السعودية التي ولدت بها، وعشت حياتي كلها (وإن كنت لا أزال أعتبر مجرد وافد “أجنبي”!!). كان السفر إلى البحرين، للمشاركة في مؤتمر فور شباب العالمي الثاني، كان أسبوعاً جميلاً، مليئاً بوجوه جديدة، وعلاقات جديدة، ومعلومات كثيفة، صبت على رؤوسنا صباً، وكانت فرصة رائعة للاستفادة من ثلة من الفضلاء، من العلماء والدعاة والمفكرين، عشرون محاضراً، من أبرزهم: الشيخ العلامة محمد الددو، والدكتور: عبدالكريم بكار، والدكتور: عوض القرني، والدكتور: مسفر القحطاني، والدكتور: محمد العوضي، والأستاذ نهاد عوض.. وآخرون.
البحرين، بلد جميل يجبرك على أن تحبه، رغم الجو الذي لا يطاق، ورغم ازدحام الطرق بالسيارات، تظل للبحرين في خاطري ذكرى حلوة، وطعم رائع جداً.. روعة الحلوى البحرينية التي اشتريتها من المحرّق..
* أصدقاء في الـ face book أراهم لأول مرة:
هناك أصدقاء اليكترونيون، عرفتهم من خلال المنتديات أو من خلال الفيس بوك، وقدر لي أن أراهم لأول مرة في البحرين، أتذكر منهم: الأخ عمار العباسي، المدير العام لمنتديات إنشادكم، وهو من أبناء البحرين، وعدد من الأصدقاء من السعودية؛ كالأخ: عبدالرحمن دادا، والأخ: محمدباعوم، والأخ: عمر بادحدح، والأخ: الحسين بادحدح.. وآخرين..
تجربة أن تعرف إنسانا ماعبر الفيس بوك، ثم تقابله على أرض الواقع، تجربة رائعة، حيث يكون الفيس بوك قد تكفل بكسر الكثير من الحواجز، وتلتقي بإنسان لأول مرة، وأنت تعرف عنه الكثير!
* أول مرة ألبس فيها الجنز!
لم أتعود لبس الملابس الرياضية، لأن أبي -حفظه الله لي- كان حريصاً على أن أكون شيخاً منذ الصغر، ويبدو أني خيبت ظنه حين اتجهت للعمل الصحفي! المهم أني لم أكن ألبس القميص والبنطال إلا بضع مرات في السنة كلها، حرصاً على البعد عن “ملابس الكفار” كما يرى أبي.
ونشأت على البعد عن هذااللون من الملابس، وساهمت دراستي الشرعية، وإهمالي للرياضة “للأسف الشديد” في بعدي عن الثياب الرياضية والشبابية، إضافة إلى التزامي اللباس الرسمي على طول الخط، الثوب الأبيض، والشماغ..
فيما بعد، كانت الملابس الرياضية حاضرة وقت السفر فقط، ثم ارتقى بي الحال، ولبست لأول مرة في حياتي قماش الخيام، “الجنز”، ولكنه كان بحمد الله فضفاضا، ولم يكن “طيحني” ولا “بابا سامحني” ولا “اسكيني” ولا هم يحدقون!!
* أول مرة أعمل فيها سائق أجرة:
جربت اليوم أن أعمل سائق أجرة، وقمت بتوصيل عدد من الناس إلى أماكن مختلفة من مكة لقاء أجر مالي، وبلغت الحصيلة 18 ريالاً (بعد تعبئة خزان السيارة بالوقود)
كانت تجربة حلوة رغم أنها مرهقة إلى حد ما. وقد ارتاح ضميري كثيراً لأني نفذت النصيحة التي نصحت بها بالأمس مجموعة من الشباب، قلت لهم: جربوا أن تفعلوا شيئا جديداً. وقد فعلت ولله الحمد!
هذه بعض الأوليات في حياتي!
منذ الصباح الباكر يبدأ برنامجه اليومي، يستيقظ عجلا، يصلي بدون نفس، يغتسل ويجهز أوراقه ومذكراته، يحشو المستندات في حقيبتين، والملابس التي سيلبسها، والأدوات المطلوب إحضارها، والحاسوب المحمول، وأشياء أخرى.. كل ذلك في أكياس تقل أو تكثر، ثم يعدو إل
ى السيارة عدو الوحوش، يدخل إلى القاعة عجلا، وهو يكاد يغص من الإفطار الذي حشاه في فمه حشواً عنيفاً لضيق الوقت..
لديه بعد المحاضرات مواعيد أخرى، الغداء -كالعادة- وجبة سريعة يلتهمها في السيارة، الجدول مضغوط وممتلئ، الوقت لا يسمح لموعد جديد، ولا لساعة استرخاء، موعدٌ تلو موعد، اجتماع هنا، وواجب هناك، وبحث هنا، ومكالمة هاتفية من هناك، لا بد له أن يستعمل كل شيء لينجز أكثر، مع كل وسائل التقليص والتوفير والتفويض.. لا يزال العبء كبيرا..
بعد أن تنام المدينة كلها.. عدا إشارات المرور ورجال الأمن.. لا يزال أخونا مستيقظا!!
في الثانية صباحاً يختطفه النوم اختطافا، في غرفته، أو في السيارة، إذ لا طاقة له على الصعود إلى الأعلى!!
ألف التعب والعناء، واعتادت أعصابه أن تبقى مشدودة حتى إنه ليكاد أن يصاب بانهيار عصبي حين يهدئ أعصابه!!
شغل متواصل، “كرف” لا ينتهي.. هو “آلة” في ثوب آدمي، مهمته أن يعمل وينجز، فقط.
هذه صورة لآلة/ إنسان.
وثمة صورة أخرى.. صورة شاب آخر، مستغرق في النشاط الجامعي إلى النخاع، وجوده داخل أسوار الجامعة مؤكد، أكثر من وجود حارس أمن البوابة، وأكثر من وجود عمال البوفيه والنظافة. صحته، لياقته، إيمانه، أهله، معدله التراكمي… كل أولئك كان محله في الحاشية، وليس في المتن إلا كلمة واحدة.. النادي، والنادي فحسب.
وهاكم صورة ثالثة.. طالب علم شرعي، وقته كله مغمور بالعلم، يفطر على حديث، ويتغدى بشرح، ويتعشى بمنظومة، ويتسلى بين الوجبات بوجبات خفيفة، كتفريغ درس، أو مطالعة فتوى.. وغاية الترفيه عنده أن يقرأ مجلة البيان!!
والداه خارج دائرة وعيه، سيارته، مظهره وملابسه، صحته، رياضته، أقاربه، كل ذلك خارج الحساب، إن توافر وقت فوق البيعة، وعلى عجل، لكل ما عدا العلم، فلا بأس!!
وتتعدد الصور وتتكاثف..
آخر.. يستيقظ ليوقظ شاشة الحاسوب من سباتها، ولا يفارقها إلا لبيت الله أو بيت الخلاء! وقته كله، بين يدي الشاشة، حتى تغول وصار وجهه لوحا مقسما، كشعار مايكروسوفت تماما!! لا مكان فيه لمشاعر ولا أحاسيس، طعامه أوراكل، وشرابه جافا.. حتى أحلامه لا تتجاوز أرقاما بيضاء على شاشة سوداء..
وآخر.. كل حياته تواصل مع الناس، لا يسمع صوت نفسه إطلاقا، آخر مرة تناول فيها شيئا من طعام المنزل كانت في شهر ربيع الأول، ومرض بعدها لأنه أكل طعاما نظيفا..
إذا سجد، ظهرت له على سجادة المسجد شاشة الفيسبوك، كأنه ساجد على “آي باد”. وإذا سكت جواله عن الرنين فيا سواد ليله!! هو هارب من نفسه، لذا يحب الضجيج، ويهوى اختراع المواعيد والارتباطات..
وآخرون..
كل حياتهم رياضة وكرة، وآخرون، كل حياتهم شهوة مستعرة ورغبة، يحاولون بما أوتوا من قوة إشعالها بنظر أو سماع أو ملامسة…
وآخرون، كل حياتهم في البيت، كلها.. لا تغادر أسوار البيت الأربعة إطلاقا..
كل أولئك.. يعيشون أزمات “عميقة” على مستوى بشريتهم!!
كن إنسانا يا أخي..
لا تحاول أن تبلغ الكمال في جانب واحد من جوانب حياتك، فإن ذلك سيكون -ولا بد- على حساب جوانب أخرى مهمة..
كم تعرف من أناس متفوقين دراسيا، فاشلين اجتماعيا.. ورجال أعمال ناجحين ماليا، فاشلين أسريا.. وموظفين: ناجحين عمليا، راسبين إيمانيا..
أن يكون معدلك الدراسي 5/5، ومعدلك الاجتماعي 0 ، هذا رسوب!
أن تكون رقم “1″ لدى أصدقائك، وتحت الصفر لدى والديك، هذه كارثة.
أن تصرف كل جهدك لعقلك، وتهمل جسدك، هذا غباء “وأنا أول الأغبياء”.
أن تحسب شيئا ما، أو شخصا ما، أو عملا ما، كل الدنيا.. هذه معضلة.. لا حل لها إلا بأن تكون إنسانا..
الإنسان كائن حي، له ستة أقدام!! قدمان يمشي بهما، وأربعة أقدام أخرى، تسيره في حياته بشكل صائب!
روحه.
وعقله.
وجسده.
وعلاقاته.
ثمة أناس آلات، يمشون على قدمين فقط.. فلا تكن منهم..
كن إنسانا..
خفف من غلواء انجرافك نحو جانب واحد من حياتك..
ملخص القول:
إن شئت أن تكون إنسانا.. فكن متوازنا!
ريان.. صديق عزيز، في الصف الثالث الثانوي..
أخبرني ريان أنه ،مع اقتراب موعد تخرجه، لم يحدد تخصصه الجامعي، ولا فكر في وجهته في الحياة.
عادة.. أقف موقف المشفق على ريان وأشباهه من الشباب، الذين لم يتعرفوا بعد على ذواتهم، ولم يعرف الواحد منهم مجاله الحقيقي الذي تؤهله له قدراته الحقيقية.. ومن ثم يواجه حيرة شديدة عند اختيار تخصصه الجامعي، يلجأ إلى حلها بالاختيار العشوائي لتخصص ما، أو الانصياع لرغبة الوالد أو اقتراح أحد الأصدقاء، أو التفكير في نظرة المجتمع إلى التخصص الذي سيختاره.. أي أنه باختصار شديد، يلغي عقله ويتجاوب مع عاطفته أو عاطفة غيره! إنه يعلق مستقبله العلمي والعملي برغبة صديق أو والد..
ولست أدري من ألوم؟! المناهج المدرسية التي لا يخطر ببالها أن تعلم الطالب كيف يختط دربه في قادم أيامه، ام ألوم المدرسين، أم ألوم الآباء، أم…
بعد تفكير طويل، قررت أن ألوم الشباب أنفسهم!
قررت أن الوم الشاب الذي وجد الكثير من الوقت لمناشط وهوايات لا أجرم أنها تضر ولكني أجزم انها لا تنفع، لكنه لم يجد الفرصة ليجلس مع نفسه ويفكر في مستقبله!
أزمة خانقة.. أن يكتشف ريان أنه لا رأي له في الإجابة على سؤال “من أنا؟”، وأنه لا دراية له بما يسره الله له إذ خلقه، وكل ميسر لما خلق له، وستكون النتيجة ان يحتار ريان بين كليتي الشريعة والهندسة، وكان الأحرى به أن يختار بين الجامعة وبين حلقة الخضار..
ولست أدري لماذا يعتقد ريان أنه لا بد له من الدراسة الجامعية لكي يتمكن من العيش! وكأن الرزق لا يمنح إلا لحاملي شهادة البكالوريوس! ولماذا لا تجري الجامعة لريان وأمثاله (وهم كثر للأسف) اختبارات يتبين من ورائها صلاحيته للدراسة في الجامعة! واختبارات أخرى يتبين منها التخصص الملائم له، حتى لا يمر بعد سنتين من الدراسة بكلية غير التي انتظم فيها، فينشد في حسرة:
جسمي معي.. غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة، والروح في وطن
حين تكون لديك معاملة ما، في دائرة حكومية، تحتاج إلى أن تملأ سبع استمارات، وتمر بعشرين موظفا، وتضع أربعة أختام في ثلاثة أوراق من مكتبين مختلفين، ويعطيك الموظف ورقة ما، يجب أن توقع من قبل المدير، فتصرف ساعة إلا ربعا في البحث عن المدير، ثم تجده فيوقع لك على الورقة، وتعود إلى الموظف ليعطيك ورقة أخرى ويقول لك: وقعها من المدير!!
يخرج الدخان من أذنيك، ويرتفع لديك الضغط، والسكر والملح والبهارات!!
ما الذي تصف به تلك المعاملة؟؟ قد تقول: بيروقراطية، قرف، وقد تقول غير ذلك، لكنك لا شك، ستقول: إنها معاملة تتسم بالتعقيد..
ولو ذهبت إلى دائرة حكومية أخرى، فوجدت أن كل ما يجب عليك: هو أن تملأ استمارة واحدة، وتجلس إلى موظف واحد، يدخل بياناتك في الحاسب، ثم يدعوك للانتظار بضع دقائق، وتنتهي المعاملة على خير.. فإنك ستصف الوضع بالبساطة!
وسيكون الأمر أبسط، لو أنك أنجزت المعاملة باتصال هاتفي..
إن البساطة محببة إلى النفس بالفطرة!!
وهي في الوقت ذاته.. تعبير عن تجل من تجليات التوحيد.. وسمة من سمات الموحدين والمخلصين!
(ضرب الله مثلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل، هل يستويان مثلا؟)
الموحد لا يحسب حساب رضى الناس وسخطهم، إنما يحسب حساب واحدٍ فقط، هو الله، إن رضي الله فلا يبالي سخط الناس أم رضوا!
بينما يعيش الفرد الآخر في عناء.. يحسب حساب الدولة حينا، والأهل حينا، وعلاقاته الاجتماعية حينا، وصورته في عيون فلان حينا، ومصلحته المادية حينا آخر.. تفاصيل متشاكسة متضاربة.. يحيا المرء معها في شقاء وعنت!!
هذه هي البساطة، في اجلى وأسمى صورها.. جوهر البساطة: تقليل التفاصيل.. والموحد لله سبحانه، المخلص له، يصهر كل حياته في بوتقة واحدة، فيطمئن ذهنه، و ترتاح نفسه.. ويكفيه الله همومه كلها..
يحكي ابن القيم رحمه الله قائلا:” إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده؛ تحمّل الله عنه حوائجه كلها ، وحمَل عنه كلّ ما أهمّه ، وفرّغ قلبه لمحبته ، ولسانه لذكره ، وجوارحه لطاعته ، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه؛ حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكَلَه إلى نفسه” هذا ما فهمه ابن القيم من الحديث الشريف: “من كانت الآخرة همه؛ جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له”..
البساطة منهج نبوي:
البساطة منهج نبوي أصيل، وحياة البي صلى الله عليه وسلم هي أصدق وأكمل تطبيق لقول الله سبحانه: (وما أنا من المتكلفين)
وحي كان الحزن يستبد بالنبي صلى الله عليه وسلم حين يقابله المشركون بالإعراض عن الحق الذي يدعوهم إليه؛ كانت الايات القرآنية تترى.. مرشدة إياه إلى أخذ الأمور ببساطة.. (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين؟) (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك! إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل) (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)
كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس، وهذا يعني تفاصيل كثيرة يمتلئ بها العقل، وكان أكثر الناس شغلا، فهو الرسول الكريم، والزوج، والأب، والإمام، والخطيب، والمربي، والمستشار، والحاكم، والقائد الحربي والقاضي، والمحتسب، ولكن هذه المهمات الجسام لم تنل من بساطته عليه الصلاة والسلام، بساطة في التعامل مع الناس، وبساطة في تفاصيل الحياة الشخصية، في النوم، والمأكل والمشرب، والملبس..
لماذا يجب ان أكون بسيطا؟؟ سؤال طويل.. حاول العديد من المدونين الإجابة عنه في مدونات متخصصة، أولها وأروعها من وجهة نظري.. الطريق الأبسط.. لأستاذ المدونين: عبدالله المهيري.
لم أشأ أن أغرد خارج السرب، فكتبت هذه التدوينة، ولعلي أعود إلى الموضوع ذات يوم..